آراء و تدوينات

الحجُ .. شغفٌ وذكرياتٌ لا تـُنسى

د. أشـرف ســالم

بمناسبة حلول موسم الحج الذي نتفيأُ اليوم ظلاله الوارفة، يحدونا الشوق لبيت الله الحرام والمشاعر المقدسة، فنسأل الله أن يتقبل حجَّ من بلغ، وأن يكتبَها لنا مرارا وتكرارا، فرغم أنني – بفضل الله ومنته – حججتُ حوالي عشرين حجة، إلا أن الشغف للحج والشوق لرحابه لا يبرحان القلب، فالحج عبادة تحتويك وتسحبك من عالمك إلى فلك خاص تسبح فيه مرتقيًا بعيدًا عن دنيا الناس.

أنا شاهد عيان على التطور الكبير والمشاريع العملاقة لتسهيل مناسك الحج، ولن يصدق حجاج اليوم ما كانت عليه الجمرات ومزدلفة وغيرهما من المشاعر، في ظل ما يعايشونه من تطور فائق جزى الله المملكة عن المسلمين خير الجزاء؛ وعلى ذكر مصاعب الحج سابقًا؛ أسوق ذكرى يومَ قال لي أبي رحمه الله عندما حججنا سويًا:

 “إن من أغرب ما نشأنا عليه وألفناه في مجتمعاتنا أن الإنسان يؤجل الحج إلى آخر عمره ليختم به حياته؛ بينما مناسك الحج تحتاج الشباب والعافية ليؤديها بجد ويستشعرها بصدق”.

وعلى طارئ الذكريات أستطيع تقسيم حجاتي إلى عدة مراحل؛ المرحلة الأولى الحجات الفردية برفقة الأصحاب وكانت حجات شبابية فيها الزهد والالتزام بالعزائم؛ ومما أسعدتني به أقداري أنني حججت مرتين وربما ثلاث في حملة سماحة الشيخ بن باز رحمه الله؛ فكانت كلٌ منها دورة مكثفة في العلم الشرعي؛ وكمال الاتباع للسنة في أداء المناسك، والثانية مرحلة تجمعات الأسر والعوائل والتي كنا فيها نجتهد بالتخفيف والأخذ بالرخص؛ والثالثة عندما أصبحتُ أقوم بمهامٍ إشرافية وإدارية وثقافية في بعضِ حملات الحج؛ لتوظيف خبراتي لخدمة الحجيج؛ فكنا ننسى أنفسنا ونعطي الأولوية لراحتهم.

قبل جسور الجمرات كان رمي الجمرات أشقُ المناسك وأكثرها مغامرة؛ أما الآن فقد أصبح نزهة لطيفة سلسة، أما عن الجهود التي يقدمها رجال الأمن والنظام جهود خرافية؛ لا يصدقُها إلا من عاينها بنفسه. 

في الحج تتجلى مشاعر الأخوة والتلاحم وانصهار الأمة الإسلامية؛ وتبادل الخدمات والمساعدات والمنافع بين الحجيج؛ وتحل في النفوس سكينة عجيبة، فأكثر من مرة تمطر السماء علينا بغزارة خاصة في عرفات؛ فكان الحجيج يستبشرون بها ويعتبرونها من الرحمات.

من الطرائف الجديرة بالذكر: في أحد المواسم كنتُ من طاقم الإشراف في إحدى الحملات؛ وكان لدينا حُجاج من الولايات المتحدة الأمريكية؛ وكانت الحملة متعاقدة مع مطعم لتأمين الإعاشة؛ وفي أول يوم بمنى (التروية) عندما بدأ توزيع الوجبات والمشروبات؛ فوجئوا بأن الأطباق والكاسات والملاعق تقليدية (معدنية أو زجاجية) مما يتم تجميعه وغسله؛ فرفضوا تمامًا استخدامها؛ وطلبوا أدوات ذات الاستخدام الواحد؛ وتعجبنا من تشددهم القاطع في هذا الأمر؛ وفشلنا بإقناعهم؛ ثم حاولنا حل المشكلة عن طريق إرسال من يشتري هذه الأغراض من مكة؛ ولكن للأسف كانت خطة المرور هي السير في اتجاه واحد وتمنع العودة إلى مكة، وفي الأخير وفقنا الله لاستئجار بعض الشباب أصحاب الموتوسيكلات، والذين بوسعهم الذهاب لمكة والعودة.

أخيرًا: هذه بعضُ الأبيات التي أهديتها لرفاقي الحجاج في الموسم الماضي

يا صُحبتي في الحج طاب صنيعكم     

إذ ترفلون بخامس الأركان

ودعاؤكم لإلهكم أن ترجعوا

ببراءة من ذنب كالولدان

طفتم ولبيتم سعيتم بالصفا

أحييتمو عرفات بالعرفان

هرع الحجيج إلى الأماني في منى

ورموا الحصى للرجم للشيطان

ومن القدوم إلى الوداع إفاضة

نحر وحلق وذكر للرحمن

ورفعتمو الدعوات تجتاز العلا

دنيا وآخرة بكل لسان

ندعو إلهي بالقبول لتوبة

وبأن ننال العفو من منان

يا رب قد جمعتنا في حجنا

يا رب فاجمعنا بخير جنان

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من صحيفة الاتجاه

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading