آراء و تدوينات

جبلة .. سديم الجمال المتسلسلة

أمـل علـي أحمـد (*)

إنسانة مثلي تلتف في عينيها تحفة فنية، تشبه إلى حد ما، تمثال نفرتيتي المقدسة.

ابنة الشمس، تضيء فؤادك أحيانا، فتراها كصورة تلمع من وراء برواز تاريخي

تظهر منهما على حين غرة جبلة الصغيرة، ابنة العشر شتلات وساقية، ثم تختفي الصورة لتتحول إلى نجوى ملالة قديمة

كأنها تنادي إنساناً ما، تبادله دهشتها بما آلت إليه الحياة الجديدة من حداثة معمارية، يغيضها كثيرا أن تستبعدها عن الأفئدة

كأنها تقول إنها هنا، ولكن بطريقة ضبابية غير متوقعة…

تأتي أنت أيها القارئ لتسألني، أما قلت إنها صامتة…!

إنها تشبهني… جداً تشبهني، صامتة إلا القليل من ضجيج الأودية، صامتة إلا القليل من غناء العصافير، صامتة إلا القليل من إيقاع المواسم على سهولها، صامتة إلا القليل.  القليل جدا من ثرثرة المطر على أغصانها

صامتة جداً ما عدى بعض خشخشات النوافذ؛ ينادين بعضهن إلى صباح تنزوي شمسه بين أزقتها …

ــ جميلة..! .. كلا لا أستطيع أن أقول لك إنها مثيرة.

إنها فقط ندية.

ــ كطفلة..! … كلا ليست طفلة بل هي في منتصف الدهر…

ــ سماوية..! … ربما ولكنها مغرية… مغرية حتى حد الصلاة إلى وجهها، فإذا ما صليت لوجهها ضللت.

فتراك تتقوقع على جليد عتمتها… بين أكوام غربتها المتسامية تقع على ظهر صخورها النائمة، تجلس متكئًا على تنهداتك البالية، كأحد رجال هذه المنطقة.

تمد إصبعك إلى الرمل لترسم دائرة من الرمل حول ذلك اللاشيء الذي يحتويك من الداخل، ثم تضع حصاة فوق حصاة على وقع سهادك، وكأنك تحاول صياغة حلم ما… كأنك تبني مأوى لذاتك الشاردة، كأنك تلملم قبلات هذه المدينة في يديك، ثم بعد ذلك تنقض غزلك بيديك.

أتساءل … لماذا تفرك ذاتك كل هذا الفرك..؟

أيها الغريب.

أقول لك… ربما كنت على حق… الحياة نفسها مغشاة، عميقة.. لا يمكن أن تدركها بسهولة، لا يمكن أن تعيشها بمجرد أن تمرر قدميك على ضفتيها… لا يمكن أن تبصرها بمجرد أنك تلتفت إلى الجبال والوهاد والحقول.

إننا كي نعيش لا بد أن نفتش كثيرًا عن عدد من الأقنعة، التي يمكن أن تكون الحياة على دراية بها، لا بد أن نعثر على أغطية مناسبة لنا… كي لا نظهر سوى بأحقيتنا للعيش.

ــ إذن تريد أن تقول إن جبلة هي الحياة.

ــ كلا، لا أقصد ذلك، بل أقصد إن جبلة هي صورة من صور الحياة، أيًا كان اسم المدينة، فإنها مدينة يمنية تنظر إلى الحياة برؤية متوحدة، متوحشة، صعبة وبسيطة في آن… أو قل صعبة إلى حد البساطة، فكلما ازدادت خشونة الحياة احتجنا من داخلنا لبعض اللين، بعض الرفق والكثير من النقاء، لا لشيء سوى لنعيش… وجبلة مدينة معمرة عانت شظف الحب وقسوة الزمن كثيرًا، لمدة أكثر مما تظن، لذا فقد احتاجت لكمية من البساطة التي نقشتها على جدران منازلها العتيقة، والنقاء الذي دسسته عطراً بين رمالها.. لتضمن مقدرة أبنائها على البقاء فيها لزمن أطول.

ــ وما الذي يضمن بقائها هي وقد تناثرت عقودها الخضراء، وتحولت إلى ما يشبه المنتجع الإسمنتي الفارغ من محتويات الفرح؟

ــ صمتها.

ــ كيف؟

ــ لقد أخبرتك مسبقًا إن أهم ملامح جبلة هو صمتها… والصمت أحيانًا يكون أشد فتنة من الجمال ذاته.

ــ مع مسحة من الحزن؟

ــ بل من الرهبة.

هي هذه الكآبة المصرة على التسلل من مقطوراتها الدخانية، هي رتابة الجمال الذي يندهش أمام تفتح زهرة، أمام نضوج سنبلة، أمام رفيف فراشة، أمام دموع طفلة، أمام سقوط مطر، أمام خسوف قمر، هي شذوذ البهجة الساكنة في السواقي.

هي الندى الخريفي المغسول برائحة القهوة اليمانية، إنها قصيدة لمواسم الشقاء.

خرجت بأوراقي حيث ضبابها الكائن بين شرفتينا… أنا وسمية

ابنة الجيران التي خُلقت بعدي بسبعة أشهر ونصف… هكذا تقول أمي، فتخنقني بعبارتها الشقية.

ــ أنا أصغر منك.

ــ أريد صديقة أكبر مني بألف سنة.

ــ ما رأيك بزوجة نوح؟

ــ حسناً المهم أن أستطيع أن أرى من على جبينها جبلة، وهي تعمر، وتُسكن بالمجانين الذين لا يعرفون عن بعضهم شيئاً.

ثم يتزوجون من نساء المدينة.

فإذا ولدن رجالاً كانوا غرباء،

وإن ولدن نساءً كن جواريهم.

………..

(*) كاتبة يمنية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من صحيفة الاتجاه

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading