بقدر حريتنا.. تكون مسؤوليتنا
أميمة عبدالعزيز زاهد
قال لي: «جميعنا لم نُخلق أحراراً». ودعم مقولته بأمثلة من الواقع، فقال:
نحن نعلم أن إرادتنا الحرة مقيدة منذ البداية، فلا نملك اختيار الأسرة التي نولد فيها، ولا الأسماء التي نحملها، ولا البيئة التي نشأنا عليها. يمضي بنا العمر، فلا نختار مدرستنا، ولا تخصصنا الدراسي أحيانًا، وحتى بعد التخرج، لا نعلم إن كنا سنجد وظيفة أم لا. وإن وجدناها، هل سنعمل فيما نحب ونتقن؟
ثم يأتي الاحتياج الفطري لرفيق حياة، وهو من أصعب الاختيارات. وحين يتم الزواج، نصبح أسرى لاختيارنا، وإن كانت حياتنا تعيسة، لا نستطيع الفكاك بسهولة؛ فالارتباطات، والأبناء، وضغوط المجتمع تحول دون ذلك. وحتى لو وُجدت فرصة ثانية، تكبلنا المسؤوليات والخسائر التي نخشى تركها خلفنا.
أجبته قائلة:
إننا في كل الأحوال، وتحت أي مسمى، راضون بما قدّره الله لنا. فنحن مسيَّرون أمام الأمور الكونية الكبرى، ولا نملك زمامها. ليس لنا سوى التقبل والصبر. وقمة الحرية تكمن في أن نضع لحياتنا ضوابطًا وأُطرًا، ونتحمل مسؤوليتها.
هي حياة نطوّر فيها عقولنا، ونتقبل واقعنا برضا، ونحرر أرواحنا من القيود المفروضة. ومع ذلك، هناك مجالات واسعة نملك فيها حرية الاختيار، ونُحاسَب على قراراتنا بقدر ما مُنح لنا من حرية.
فالمسؤولية أخت الحرية، وكل حرٍّ مسؤول عن حسن استخدام حريته وضبط تصرفاته، لا عن التنصل من مسؤولياته. بل كلما اتسعت مساحة حريتنا، زادت أبعاد مسؤوليتنا. المسؤولية قدر مشترك بين البشر؛ إذ منحنا الله العقل والوعي والقلب، وأرشدنا إلى طريق الحق. ومن يتخلى عن مسؤوليته، يتخلى عن إنسانيته، سواء كانت أسرية، أو اقتصادية، أو اجتماعية.
كل إنسان مسؤول عن رعيته وأفعاله، أمام نفسه أولاً، وأمام الله والمجتمع ثانياً. ومن يمتلك قدراً كافياً من المسؤولية، يدرك واجباته وحقوقه، ويحاسب نفسه، ويشعر بثقل أمانته.
قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}، وقال أيضًا: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}.
ومع كل ما يُفرض علينا في هذه الحياة، تظل الحرية الكبرى كامنة في داخلنا: كيف نختار مواقفنا، ونحدد ردود أفعالنا، ونبني قناعاتنا. فقد نكون أسرى للظروف، لكن لا أحد يستطيع سلبنا حرية أرواحنا وعقولنا إلا إذا سمحنا له بذلك. تلك هي الحرية الأعمق، التي لا تقيدها سلطة ولا مجتمع.
فلنحمل مسؤولياتنا بفخر، ولنمارس حريتنا بوعي، لأننا بذلك نصنع أجمل ما في إنسانيتنا.



