الصوت الذي لم ينكسر

هيفاء علي نورالدين (*)
قصة قصيرة
لم تكن “ريما” امرأة تُنسى. لا على الشاشة ولا في الحياة. منذ أول مشهدٍ لها في فيلم “ظلّ وردة” كانت كمن يطأ المسرح من عالمٍ آخر؛ نظرتها، صوتها العميق كأن فيه طبقات من الحنين، خطواتها الواثقة التي كانت تقول للعالم: أنا هنا، ولن أرحل بسهولة.
في أوائل التسعينيات، وبينما كانت الصحف تتسابق لتضع صورتها على الغلاف، كانت الريح قد بدأت تلفح نوافذ حياتها من الداخل. لم يكن أحد يعرف — ولا حتى المقربون — أن جسد ريما بدأ يخونها في صمت.
كانت البداية باردة كألم المفاصل عند الفجر. وخزة في رسغها أثناء البروفات، تعبٌ غامض لا يفسره الأطباء، تورّمات تُخفيها بالمكياج وتُموّهها بالحركات. ثم جاء التشخيص الذي لا يرحم: التهاب المفاصل الروماتويدي.
في تلك السنوات، لم يكن الناس يعرفون الكثير عن هذا المرض. ولم يكن أحد يريد أن يسمع أعذارًا من نجمة الشباك الأولى. كانت الشائعات أسرع من الألم: “تركت نفسها”، “صارت ثقيلة”، ” أنهكها” التعب “انطفأت”.
لم يعلموا أن كل صباح كان يبدأ بحقنة كورتيزون، وكل مشهد كانت تقف فيه منتصبة، كان انتصارًا صغيرًا لا يراه أحد.
قالت لها صديقتها مرة، وهما تجلسان في شرفة شقتها المعتمة: “لماذا لا ترتاحين؟ لماذا لا تتركين كل شيء وتمشين بعيدًا؟”
أجابت ريما، والعرق يتجمّع فوق شفتها رغم برودة المساء: “لأني لو تركت التمثيل، سيأخذ المرض كل شيء. على المسرح، أنسى أنني أعرج، أنسى أن مفصلي يطقطق حين أضحك. على المسرح، أنا امرأة لا تُهزم”.
ومع أن السينما أغلقت أبوابها، ومع أن المنتجين توقفوا عن الاتصال، إلا أن المسرح ظل له نبضٌ يستدعيها. ذات مساء، وعلى خشبة مسرح قديم في قلب عمّان، عادت بدور “سامية” في مسرحية “جنازة قلب”، دورٌ يتطلب نزيفًا داخليًا لا تقدر عليه إلا من اختبرت العطب الحقيقي.
خرج النقاد مبهورين، كتب أحدهم: “جسدها لم يعد كما كان، لكن صوتها؟ صوتها صار أكثر حكمة، أكثر جرأة، أكثر صدقًا مما توقعنا”.
في الكواليس، جلست ريما، تتنفس بصعوبة، تمسح العرق عن جبينها، وتشكر مساعدتها على سحب الحذاء الضيّق عن قدميها المنتفختين. لم تكن تبحث عن تصفيق، بل عن دليل صغير أنها ما زالت تُمسك بزمام حياتها.
وفي مذكراتها التي كتبتها بعد سنوات بعنوان “بين مقعدين… ونجمة”، كتبت:
“لم أكن أحارب المرض فقط، كنت أحارب فكرة أن الممثلة لا تمرض. أن القوة هي أن تبتسمي بينما يتهاوى جسدك من الداخل. لكنني لم أعد أرى في الشجاعة خجلاً. تعبتُ من التجمُّل. فليَرَني الناس كما أنا، ولينصتوا إن شاءوا لصوتي الذي لا يزال، رغم كل شيء، صلبًا كقلبِ ممثلةٍ تعرف ثمن الضوء”.
اليوم، في عيدها الحادي والسبعين، تبتسم ريما في صورة حديثة، ترتدي وشاحًا رماديًا، وعيناها تقولان ما لم تقله الكلمات:
أنا ما زلت هنا، ليس كما كنت، بل كما أصبحت.
…..
(*) كاتبة من ليبيا



