مصفاة المشاعر
أميمة عبد العزيز زاهد
قد لا نختار من نلتقي بهم في محطات حياتنا، لكننا نستطيع أن نقرر من يبقى معنا ومن نتركه خلفنا. ففي زحمة الوجوه، هناك من يسرق منك الحزن بابتسامة، ومن يسرق منك الفرح بكلمة، ومن يتركك تكتشف متأخراً أنه كان يجرّك نحو الهاوية وأنت تظنه سنداً.
إنها رحلة بين وجوهٍ عرفناها… بعضهم أضاء حياتنا، وبعضهم أطفأ أنوارها.
في أعماق كلٍّ منّا جزءًا – ولو بسيطًا – من الحزن أو الفرح، من السعادة أو الشقاء، من التشاؤم أو التفاؤل. يكبر هذا الجزء أو يصغر تبعاً لمسيرة حياتنا، ونفسيتنا، وعلاقتنا، وتغيرات المجتمع من حولنا. وفي أي مكان أو مجال، نقابل إما من يكونوا مصدراً لسعادتنا وتفاؤلنا، أو سبباً لشقائنا وتشاؤمنا.
كثير من هذه الشخصيات ساهم في صناعة الحب أو الكره بداخلنا؛ منهم من مرّ مرور الكرام، ومنهم من توقفنا عندهم، وكثير منهم أصبحوا مجرد ذكرى. قابلنا الفئة السلبية الكئيبة التي تفوح منها رائحة الهم، وتتوقع دوماً وقوع المصائب، تستمد كلماتها من قاموس النكد، وتصوّب سهامها نحونا، حتى لو كان الموقف يدعو للأمل. لديها قدرة على تحويل سعادتنا إلى حزن، وتبيعنا التعاسة بلا ثمن، وتقدّم لنا الألم بلا مقدمات. لا نسمع منها سوى الآهات، ولا نرى سوى الدموع، وكأنها تنقل إلينا عدوى الألم.
وفي المقابل، هناك الفئة المتفائلة التي تشع دفئاً ولا تعرف اليأس، دائمة الابتسام، تصدر الفرح وتصنع البهجة في قلوبنا. يكفي أن نراها لتزول عنا مشاعر الحزن أو الاكتئاب، فوجودها بجانبنا نعمة، وابتسامتها لها قدرة ساحرة على الانعكاس على وجوهنا.
وبين هذا وذاك، تمرّ بنا وجوه تتقن التمثيل، وفئة نتمنى لو شطبناها من سجل حياتنا، حتى لا تضيق صدورنا كلما تذكرنا أننا منحناها ثقتنا وشاركناها تفاصيل أيامنا. أشخاصٌ تقنّعوا بزي الصديق، يثنون في حضورنا ويغتابون في غيابنا، ينسجون الأكاذيب ببراعة، ويمنحون أنفسهم دور الضحية بينما يضعوننا في خانة الغافلين. بثّوا سمومهم حتى سرقوا منّا هدوءنا وهددوا لحظاتنا السعيدة، وما كانوا سوى نقطة سوداء في ماضينا… رحلوا غير مأسوفٍ عليهم، ولن يستحقوا دموعنا ولا وقتنا.
وتظل هناك فئة كانوا قدوة لنا، وسيظلون كذلك، نحتاج إلى وجودهم بجانبنا، ولا نستطيع الاستغناء عنهم. نحبهم لأنهم يشعروننا بالأمان والراحة، يرممون انكساراتنا، ويشترون لنا لحظات الفرح. هؤلاء منحونا شعوراً بالحياة من جديد، وقلباً جديداً، ودماءً جديدة. نتألم لغيابهم، ونفرح بوجودهم، فإقامتهم دائمة في ذاكرتنا.
هكذا هم البشر… منهم من دخل حياتنا وخرج منها كعابر سبيل، ومنهم من عاش لفترة قصيرة وترك بصمته في قلوبنا، ومنهم من اكتشفنا زيفه سريعاً. وفي النهاية، علينا أن نقف وقفة صدق مع أنفسنا، نراجعها ونتعلم كيف نختار من يرافقنا في رحلة العمر، من نعطيهم ويعطوننا، من نتفق أو نختلف معهم ونتسامح، ومن يفهمنا ويسمعنا بود وحب وبصدر رحب.
ولنتذكّر دائمًا… ليست الكثرة من تصنع الدفء، بل القلة التي تختارك بقلبها قبل يدها، وتبقى بجانبك حتى آخر الطريق.


