هن لباس لكم
أميمة عبدالعزيز زاهد
يأسرنا القرآن الكريم بروعة تصويره حين يصف العلاقة الزوجية بقوله تعالى:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187].
تشبيه بليغ يفتح أمامنا أبواب المعاني العميقة، فكما أن اللباس ستر للجسد وزينة له وحماية من الحر والبرد، كذلك أراد الله أن يكون كل من الزوجين سترًا ودفئًا وحصنًا للآخر. إنها صورة تختصر فلسفة الزواج في كلمة واحدة، لكنها تحمل في طياتها عالماً من الألفة والمودة.
فاللباس أول ما يمنح الإنسان سترًا وطمأنينة، وهكذا يغطي كلٌّ من الزوجين الآخر ويصون عيوبه. فالخلافات والمشكلات الطبيعية لا تُنشر، بل تُعالج داخل جدران البيت بروح الحكمة والمودة، ليبقى الصفاء سيد الموقف. وكما أن اللباس يحفظ صاحبه من أعين الناس، فإن الستر بين الزوجين يحفظ هيبتهما ويزيد من قوة الرابط بينهما.
ولأن اللباس يحمي الجسد من تقلبات الطقس، فقد جعل الله كلًّا من الزوجين حصنًا للآخر من الانزلاق في الحرام. الزوجة تعف زوجها، والزوج يعف زوجته، فلا ينكشف أحدهما إلا على شريكه، فيتحقق الأمان النفسي والطمأنينة الروحية. وللجانب العاطفي نصيبه الكبير، فاللباس لا يمنح سترًا فقط، بل يمد الجسم بالدفء، وكذلك الزواج يمنح صاحبيه دفئًا شعوريًا يُذيب مرارة الهموم، ويُطفئ لهيب الوحدة، ويجعل القلب مطمئنًا بوجود شريك يتكئ عليه.
ثم يأتي معنى التكميل، فكما أن الإنسان بلا لباس يشعر بنقص، فإن الرجل بلا زوجة ناقص، والمرأة بلا زوج ناقصة، ولا يكتمل الكيان إلا باجتماع الروحين. إنها حكمة الخلق: كل واحد منهما يسد فراغ الآخر، فيغدو كلاهما كالجسد الواحد الذي لا يستغني عن أي جزء منه.
ولأن هذه العلاقة تقوم على الودّ والرحمة، جعلها الله محكومة بميزان جامع هو المعروف: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. والمعروف هنا ليس مجرد كلمة عابرة، بل مبدأ شامل يوجه المعاملة إلى ما فيه كرامة وعدل ورحمة، سواء في لحظات الصفاء أو عند وقوع الخلاف. فالمعروف هو الذي يصون الحب، ويُبقي المودة حية متجددة مهما تعاقبت الأيام.
إن الزواج في جوهره ليس شراكة عابرة ولا عقد مصالح، بل هو سكن وستر، أمان ودفء، تكامل ومعروف. وحين يتعامل الزوجان مع بعضهما على أنهما لباس متبادل، يصبح الزواج واحة رحمة، ومصدر طمأنينة، وبذرة خير تنبت أجيالاً تحمل في ملامحها نقاء هذا الرباط المقدس



