مقالات

مسحة رأس

صفاء الأحمد (*)

قصة قصيرة

يمشي وحيدا في الطريق العام، يضع يديه في جيوبه وكلّما صادف علبة فارغة ركلها.

سارع إلى وضع يده على جبينه وتحسس رأسه ليتفقد جلدة رأسه، وجدها مكانها.

كان يكرر هذه الحركة مرارا طوال اليوم، حتى باتت عادة أشتهر بها بين أقرانه وكلّ من يعرفه.

مرّت من أمامه سيدة تحكم قبضتها على يد صغيرها ويقطعان الشارع على عجل، ثم تضرب كفها بكفّ الصغير، يبتسم فيلمع سنه الوحيد في عيني صاحبنا…

يتفقّد مجددًا جلدة رأسه وهو يتذكّر لمّا كان في مثل عمر هذا الصّغير، آلمه ضرسه وظلّ يتقلّب لعدة أيام على فراشه وأمه تعدّ العدّة لاستقبال جاراتها أو تحادث صديقاتها لساعات عبر الهاتف أو تقف أمام المرآة أو أمام النافذة تراقب المارّة، وأبوه منشغل بهاتفه أو تنسيق لعبة ورق مع رفاقه أو أيّ شيء آخر مهمّ، وهو على قناعة تامّة بأنّ في حياة والديه ما هو أولى من التفاتهما إلى خدّه المنتفخ.

استمر في المسير وحيدًا، والهواء المحمّل ببرودة تشرين يلسع وجهه، والأصوات الصاخبة حوله صارت بعيدة مثل همس بلا معنى.

يتساءل في نفسه، لماذا لا تحدث كلّ تلك المواقف إلا أمامه؟

يتنفّس بعمق ثمّ يكمل الطّريق وهو يتحسس رأسه كلّ بضعة دقائق.

استوقفه منظر سيدة عجوز تحاول التقاط هاتفها المحمول عن الأرض، انحنى والتقط الهاتف وقبل أن يرفع قامته امتدّت كفّ مرتجفة ومسحت على رأسه، توقّفت أنفاسه للحظة، وبدأت جلدة رأسه بالانفصال من قاع رأسه حتى جبينه…

تسارعت أنفاسه فجأة وعاد به الزمن أربعين عامًا إلى حيث تفقّد جلدة رأسه لأول مرة، حين وقعت من يده حبّة مثلجات وجلس إلى جانبها يبكي وأبواه غارقان في جدال محتدم، عوضه صاحب البقالة بأخرى ومسح على رأسه؛ فانفصلت لأول مرّة جلدة رأسه…

نهض وناول السيدة العجوز هاتفها والدمع في عينيه، لكنه لم يلمس رأسه!

أكمل طريقه حتى وصل منزله، وقد تسلل الخدر إلى جسده كلّه، استلقى فوق سريره بتثاقل ونام وهو يحتضن رأسه بكلتا يديه.

……………

(*) قاصة وكاتبة أردنية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com