علي الجبيلي… ما بين الكلمة والإصغاء… حكاية إعلامي يعرف قيمة المعنى

كتب: حمد دقدقي
ليست كل الصور تُلتقط بالعدسة، فبعضها يُلتقط بالبصيرة. وثمة لقطات لا تُوثّق حضور شخصٍ في مقعد، بل تُوثّق حضور قيمةٍ في زمنٍ ازدحم بالكلام وقلّ فيه الإصغاء.
في مساء الاثنين الثالث عشر من يوليو 2026، وبين أروقة الأمسية الثقافية «رحلة العلم والإدارة» التي احتضنتها جمعية الأدب المهنية بجازان، واستضافت معالي الدكتور مدني بن عبدالقادر علاقي، وأدارتها باقتدار الأديبة والإعلامية والأكاديمية الدكتورة أميمة بنت منور البدري، التقطت العدسة مشهدًا بدا في ظاهره عابرًا، لكنه في جوهره كان نصًا مكتوبًا بلغة الصمت.

هناك جلس الإعلامي الأستاذ علي عبده الجبيلي، مستندًا إلى كفه، وقد استقرت يده عند ذقنه في هيئةٍ يعرفها أهل الفكر؛ هيئة من يحاور الفكرة قبل أن يحاور أصحابها، ومن يمنح الكلمة حقها الكامل في الوصول إلى القلب قبل أن تمر بالعقل. لم يكن ينتظر دوره في الحديث، بل كان يمنح المتحدث حقه في الإنصات، وكأنما يؤمن أن للكلمة حرمةً لا تكتمل إلا بمستمعٍ يليق بها.
وفي ذلك التكوين البصري البديع، تراجعت الخلفية إلى ضبابها الهادئ، وانسحبت التفاصيل من المشهد، لتترك الضوء كله منصبًا على لحظة الإصغاء. وكأن العدسة أرادت أن تقول إن الضجيج يبهت حين يحضر الوعي، وإن الثقافة تبدأ من عينٍ ترى، وقلبٍ يتأمل، وعقلٍ ينصت.

ولعل أجمل ما في الصورة أنها لم تُظهر إعلاميًا جاء ليغطي حدثًا ثقافيًا، بل كشفت عن مثقفٍ يعرف أن المعرفة لا تُقاس بعدد الكلمات التي يقولها الإنسان، وإنما بقدر ما يفتح لها من نوافذ في روحه. فمن أمضى عمره في مرافقة الحرف، يدرك أن الكلمة ليست صوتًا يُقال، بل مسؤولية تُصغى إليها، وأن الخبرة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها بالحديث، بل بالإنصات الذي يمنح الآخرين مساحةً كاملة للتعبير.
هكذا بدا علي الجبيلي؛ لا متلقيًا لما يدور في القاعة، بل شريكًا في صناعة المشهد الثقافي بصمته الوقور. فالإصغاء، في حضرة العقول، ليس موقفًا سلبيًا، وإنما فعلٌ من أفعال المشاركة، ولونٌ من ألوان الاحترام، ووجهٌ آخر للحوار الراقي.
إنها صورة تختزل فلسفة الثقافة بأكملها؛ فحين يلتقي الفكر بالتجربة، وتتجاور الحكمة مع التواضع، يصبح الصمت أكثر بلاغة من كثيرٍ من الخطب، ويغدو الإصغاء أعلى درجات البيان.
ولعل هذه اللقطة ستبقى واحدةً من تلك الصور التي لا تُحفظ لأنها جميلة فحسب، بل لأنها صادقة. صورةٌ تروي للأجيال أن المثقف الحقيقي لا يبحث عن أن يكون مركز المشهد، وإنما يسعى إلى أن يكون جزءًا من رسالته. وأن الإعلامي الكبير لا يقاس بما قاله في المنابر، بل بما حفظه من هيبة الكلمة، وما منحه للآخرين من احترامٍ وهم يتحدثون. وهكذا، لم تكن الصورة مجرد إطارٍ فوتوغرافي، بل وثيقةٌ ثقافية، وشهادةٌ بصرية على أن للكبار حضورًا لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الوقار، حين يقترن بالمعرفة، يكتب أجمل سيرته في لحظة إنصات



