مقالات

“حبسة الكاتب” تعثّر أم استراحة وجوديّة

صفاء الأحمد (*)

يعجز الكاتب عن الكتابة أحيانًا، لأن الوعي نفسه يخضع لعملية إعادة تشكيل عميقة، تحضيرًا لنشوء قولٍ لم يتبلور بعد، إنها مرحلة التكهّن الداخليّ، حيث يصمت القلم بانتظار قالب جديد يسكب به الحبر.

الكتابة الأصيلة تنبع من هزّة تُفكّك ما استقرّ في الداخل، وتدفع بالذات نحو صيرورة جديدة.

في كلّ أثر أدبيّ، سواء كان شذرة خاطفة أو رواية ممتدّة، هناك تموّج خفيّ في الذات ولحظة انقلاب تتحوّل فيها اللغة من وسيلة للإفصاح إلى أداة للتماسّ مع المعنى.

برأيي ما يُسمّى بـ”حبسة الكاتب” ليس تعثّرًا إنّما استراحة وجوديّة يعاد فيها ترتيب الداخل.

من لا يتوقّف، لا يتطوّر.

والنصّ الذي لا يُهزّ الكاتبَ في صميمه، لا يهزّ قارئًا، ولا يترك أثرًا، لأنه لم يخرج من موضع النزف.

أوضح تجلّيات هذا التحوّل النفسيّ تحدث في الكتابة السرديّة الطويلة، لا سيما في الرواية.

الروائي لا يبني عالَمًا ويخرج منه سالمًا… الشخصيّات، الصراعات، المسارات، لا تعيش فقط في الورق، تندسّ كلّها تحت جلد الكاتب، وتخترق بنيته النفسيّة، وتعيد تشكيلها بصمت حتى يتوغّل، ويكتب من منطقة لم تكن قد تكشّفت بعد.

ثمة حقيقة يغفل عنها كثيرون في فهمهم لطبيعة الفعل الكتابي:

نحن نكتب حين يشتدّ الألم بما يكفي ليجعلنا نُخاطر بالكشف، فالكتابة الصادقة تولد من عمق اللايقين، لا من ترف الفكرة.

الكتابة الحقيقية تنشأ حين يكون المرء مستعدًا للتماسّ مع مناطق الهشاشة في ذاته، حين يتحوّل القلم إلى مرآة لا ترحم في لحظة مواجهة لا يمكن التراجع عنها.

هذا ما فعله فرانز كافكا، الذي كتب من قلب اغترابه الوجودي وصراعه النفسي مع الأبوة والعزلة، فأنتج أدبًا كابوسيًّا يكشف هشاشة الإنسان الحديث.

وما فعلته سيلفيا بلاث، التي حوّلت اكتئابها الحاد وتمزقاتها الداخلية إلى أدب حارق، يتجلى في روايتها “الناقوس الزجاجي” وكأنها كتبتها من قعر الغرفة المغلقة.

وما فعله فيودور دوستويفسكي، الذي نهض من حافة الإعدام ومن سنوات المنفى والسجن، فكتب “الجريمة والعقاب” و”الإخوة كارامازوف” وكأن كل سطر فيهما يقطر من تجربة حية في الألم والبعث.

وما فعله إرنست همنغواي، حين صاغ من جراحه النفسية ومشاركته في الحرب عالماً لغويًا متقشّفًا، حيث كل جملة تبدو كأنها كُتبت لتمنع الانهيار.

وكذلك غسّان كنفاني، لم يكن في كتابته مجرّد راوٍ لحكايات اللاجئين؛ كان شاهداً على تمزّق الذات في المنفى وكلماته امتدادًا لجرح لم يلتئم، وصوته هو صوت القضية حين تتحوّل إلى نبض يوميّ.

كتب لأنه لم يكن قادرًا على التحمّل دون أن يكتب، وكانت نصوصه مساحة مقاومة، وصوتًا شخصيًّا لجماعة بأكملها.

هؤلاء لم يكتبوا لأنهم امتلكوا الأفكار، فالأفكار كما يقال ملقاة على جانبي الطريق، كتبوا لأنهم لم يعودوا قادرين على الصمت أمام ما يعتمل في دواخلهم.

فكانت الكتابة طوق نجاة، وموقفًا أخلاقيًّا وجماليًّا في وجه العالم.

في جوهر هذا التحوّل النفسي، ندرك أن الكتابة تصبح ضرورة حين لا يعود الصّمت ممكنًا وفعلًا وجوديًّا وشكلًا من أشكال التكوين الداخلي، وانبثاقًا جديدًا للذات من داخلها لا من خارجها.

النصّ العميق يعيد تشكيل اللغة التي كُتب بها، ويُعيد تشكيل من كتبه أيضًا.

حين تنتهي من كتابة نص ما، لا تسأل نفسك: ما الذي سأكتبه لاحقًا؟

 اسألها: من أكون الآن… بعد أن كتبت؟

……….

(*) كاتبة وقاصة أردنية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com