مقالات

لأنهم الأقرب… فالوجع أكبر

1 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

أميمة عبدالعزيز زاهد
قالوا: أن يطعنك أحدهم في ظهرك أمر مؤلم، لكن أن تلتفت فتجده من أقرب الناس إليك،
فهنا تكون الصدمة أشد والوجع أعمق.

ولو نظرنا حولنا، لوجدنا أحيانًا أن الواقع يحمل من المواقف ما يخجل منه الخيال، ولأنه واقع فلا بد أن نصدقه رغم دهشتنا من حدوثه.

فكم من خلافات وقصص مؤلمة لا نصدق أن أطرافها إخوة أو أقارب جمعتهم يومًا المودة والرحمة والذكريات، ثم تسلل بينهم الحقد والحسد والجحود، حتى تبدلت القلوب وضاعت حقوق القرابة.

فنحن لا نتوقع الأذى والظلم والقهر والاتهامات ممن أحببناهم ووثقنا بهم، ولذلك تكون خيبة الأمل أقسى وتترك في النفس مرارة يصعب تجاوزها لأن شدة الألم لا تكون في الإساءة
وحدها، بل في مصدرها .

لكن ماذا يفعل من كان قلبه عامرًا بمحبة الله؟ ماذا يفعل من يؤمن بثواب صلة الرحم، ويخشى أن تدفعه الإساءة إلى إساءة مثلها؟
هنا يكون الاختبار الحقيقي.

فليس كل صمت ضعفًا، ولا كل عفو تنازلًا عن الكرامة، ولا الابتعاد عن المهاترات عجزًا عن الرد.

أحيانًا يكون الإنسان قادرًا على الرد، لكنه يختار ألا ينحدر إلى مستوى الإساءة، ويتجاوز عما يمكن تجاوزه، ويعفو حين يكون العفو ممكنًا، ويضع حدودًا حين تصبح الحدود ضرورة.

وفي الخصام والقطيعة طريقان: طريق تقودنا إليه نفوسنا المجروحة، فنرد الإساءة بالإساءة ونظل ندور في دائرة لا تنتهي من الغضب والعتاب، وطريق آخر ننظر فيه إلى الأمر بمنظار أوسع، فنحفظ كرامتنا دون ظلم، ونتمسك بالحق دون تجريح، ونطلب الأجر من الله دون أن نحمل في قلوبنا حقدًا يرهقنا قبل أن يؤذي غيرنا.
ومن يمتلك هذه القدرة لا يعني أنه لا يتألم
، لكنه لا يسمح للألم أن يغير معدنه
ويوجه طاقته ومشاعره إلى المحافظة على ما يستطيع من البناء الأخوي، ويعلم أن التنازل أحيانًا صعب، وأن الصفح ليس دائمًا سهلًا، ولكن من كان هدفه ابتغاء مرضاة الله يهون أمامه الكثير.
فالعطاء ليس بالمال فقط ، بل قد يكون بكلمة طيبة، وموقفًا كريمًا، وتغاضيًا عن زلة، وعفوًا عند المقدرة، ورحمة بمن أساء إلينا.
ومن أجمل صور العطاء ألا نسمح لقسوة الآخرين أن تنتزع الرحمة من قلوبنا.
علينا أن نوقظ ضمائرنا، ونترفع عن الخصام والشقاق والمناحرة بسبب سفاسف الأمور، ونتذكر أن العمر أقصر من أن نهدره في صراعات لا تزيدنا إلا تعبًا، وأن الدنيا مهما كبرت في أعيننا ستصغر يومًا بكل ما فيها.
ومتى عشنا هذه المعاني تغيرت نظرتنا للحياة، وأصبح رضا الله أكبر من رغبتنا في الانتصار لأنفسنا.
اللهم املأ قلوبنا بالإيمان، وانزع منها الكراهية والحقد، وارزقنا بصيرة عادلة، وقلبًا سليمًا، وعقلًا متفهمًا، وأعنا على أن نصل من قطعنا، ونعفو عمن أساء إلينا، دون أن نظلم أنفسنا أو نظلم أحدًا

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com