أحجار الدماء

قصة قصيرة .. بقلم: نايف مهدي
أيها الليل عليك أن تكف عن هزِّ ذاكرتي، فأنا رجلٌ معجونٌ بالفراغ، موسومٌ بالارتجاف والحيرة والذهول، صحيح أن ظلامك يفوق ظلامي وفي عينيك لمحةُ انتقام وفي رئتك سعة للحديث.
أما أنا فقد سربلني الذل والحقارة وقنعت بما أفقد كل يوم، ووهبتُ لغتي لطفلٍ يخرج من الرماد، ولكنه كان يحتاج إلى أكثر من لغة، كان يحتاج إلى يدين ثم إلى أصابع وماعون به بعض الطعام، أي طعام، ولو كان بعض الذباب الميت.
كانت أمه تضحك في الشباك قبل ساعة، وأبوه ينظف نظارته بحاشية ثوبه لكي يتمكن من قراءة القرآن، والأطفال يضحكون في جوف البيت، قبل أن يتحولوا إلى أشلاء رخيصة بعد سقوط تلك القنبلة القاهرة فوق سقف المنزل.
إن هذه المدينة التي افترشُ عراءها وخوفها وركامها هي الجحيم، الذي تسابقت إلى تهويله تلك الكتب الثلاثة.
أندعو بالفرج؟! إن ضراعتنا وابتهالاتنا ودعاءنا تتصافق في السماء، وتعود مقذوفةً إلى صدورنا كحجارة مُشتعلة.
عندما تحضّر الإنسان لم يقلّم مخالب شراسته بل تحضّرت أساليبه في القتل والتهجير والإقصاء.
آخر أبنائي مات على ركبتي قبل يومين بسبب الجوع، أما زوجتي وأبنائي الكبار فقد احترقت أجسادهم تحت صليل الرصاص، رأيتهم يرصون عائلتي أمام الجدار بمهانة ويربطون على منطقة القلب في صدورهم بعض دمى أطفالي المحشوة، فيما كنت أطل عليهم من حاجز الطابق الثاني بجُبنٍ وخوف ويدي تكمم فمَ طفلي الجائع وعينيه، اخترق رصاصهم الظالم تلك الدمى مباشرة وامتلأت الصالة بالدماء والقطن المتطاير.
منذ ذلك الوقت تركتُ البيت وأقمت في فنائه، وبعد أن مات ولدي الجائع أخيرًا، انفلت عقالي وتقيأتُ صبري وشرعتُ أركض مغمضًا عيني، تدميني الحجارة والأشواك والأشلاء التي أعثر بها.
أيها الليل البهيم اقترب، ها قد حان أوان خلاصي، هل تبصر ذلك الضوء الباهر الذي يطوق وجهي من تلك الآلة الجهنمية التي تسف مقتربةً باتجاهي؟، لقد أخطأتني رصاصتان إلى الآن عن عمد، ولكن لا بدَّ لواحدة أن تلهب أحشائي وتوقف هذه المسرحية العبثية التي وجدنا أنفسنا فجأةً فوق مقاعدها.
أزيزُ المروحية يقترب، الأغنية التي كنت أغنيها لطفلي الجائع تدور في رأسي الآن، وأنا أسقط على الأرض التي سبقتني إليها دمائي.



