ثقافة وفن

العائد من الخريف

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة

في زقاق المدينة القديمة، حيث تتلاصق الجدران وتتبادل الأسرار عبر شقوق الطوب وأبواب الخشب العتيقة، كان الطريق يمتد طويلًا كذاكرة مُتعبة. سار ببطء، يجرّ خطاه كما لو كان الزمن أثقل من جسده. كان يحمل عصاه بيد، وباليد الأخرى يُمسك نظارته الملتصقة بعينين زجاجيتين خبا ضوؤهما من طول الانتظار. خلف النظارة، كان يرمق البيوت، يحدق في النوافذ التي بدت وكأنها تتطلع إليه، أو تسأله: “أأخيرًا عدت؟”

وقف لحظة عند حائط مائل، تحسسه بكفه المرتعشة، وشهق… كأن دخان السنين لا يزال يسكن تلك الجدران. تنهد. لقد مرّت ثلاثون سنة، لكنه ما زال يذكر كل شيء. الطريق، الشقوق المتسعة، الأشجار العارية من أوراقها، والهواء المعبّق بروائح الخريف الحزينة. كان الخريف هذا العام أشد صمتًا، والأوراق المتساقطة تبدو وكأنها تتآمر على قلبه، تنثر أمامه كل ما حاول أن ينساه.

دخل إلى الزقاق الأصفر، زقاق طفولته، بحث بنظرٍ متلهّف عن كرسي قديم في الحديقة الصغيرة المجاورة. هناك، حيث كانت تجلس هي كل صباح، تقرأ كتابًا أو تنظر إلى السماء وكأنها تقرأ الغيب. وجد الكرسي. جلس عليه. لا أحد هنا سواه، فقط صوت الريح يتبع أنفاسه ويوقظ الحنين. أخرج علبة سجائره ببطء، أشعل واحدة، وسحب منها نفسًا عميقًا، ثم أغمض عينيه كمن يتذكّر وجهًا يعرفه أكثر من نفسه.

من بعيد، كانت أصوات أطفال الحي تتردد، يركضون ويضحكون كما كان يفعل وأصحابه منذ زمنٍ بعيد. ابتسم… ثم اختفت ابتسامته فجأة، وسقطت ورقة شجرة على كتفه. التقطها. شمّها، عانقها، وكأنها يدٌ امتدت إليه من الغياب. “هي كانت تحب هذا الفصل…”، قالها بصوت مبحوح.

في تلك اللحظة، فاض قلبه. بكى. لكن دموعه كانت صامتة. تذكّر ليلته الأخيرة معها، وهي على سرير المرض تقول له بصوت خافت:

“لا تتأخر، إن عدتَ، فأخبرني أولًا… لا تُسلمني للتراب قبل أن أراك.”

لكنه تأخر. تأخر كثيرًا. كانت الحرب أسرع من الأحلام، وكانت المنافي أوسع من أي شوق. هرب من جحيمٍ لا يرحم، ومن أصوات الرصاص التي كانت تقتفي أثر الحياة. لم يعد يومها، عاد اليوم، لكنه لم يجدها.

وجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا، عليه بعض الزهور الذابلة، كتب عليه اسمها. لم يكن لديها أحد في الدنيا سواه. الجيران أخبروه أنها ماتت وحيدة، حملها أحدهم إلى المقبرة. قالوا إنها كانت تجلس كل مساء عند الباب، تحدث نفسها، تنتظر من لا يعود، وتبتسم كلما رأت شبحًا يمر.

جلس أمام قبرها، حفر بإصبعه المرتجف على شاهدها “أنا آسف”، ثم قبّل التراب، وحدّق في السماء. لا رسائل بعد اليوم. لا هاتف سيتصل ليقول “اشتقت إليكِ”. فقط صمتٌ كثيف، ووعدٌ لم يُوفَ به.

في طريقه إلى المقبرة، كان قد اشترى بعض الزنابق البيضاء، كما كانت تحب. وضعها عند شاهدها، ثم تلمّس تراب القبر كما لو كان يلمس كفّها. ابتسم…

لكنها لم تكن هناك لترد الابتسامة.

قال بهدوء: “لو عاد الزمن، لعُدتُ إليكِ في أقرب خريف.”

ثم أغمض عينيه، واستند إلى عصاه، وصمت.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com