العفو دواء والقرآن شفاء
أميمة عبدالعزيز زاهد
من أعظم نعم الله على الإنسان أن جعل لقلبه دواءً وشفاءً، دواءً يطهّره من الأحقاد بالصفح والعفو، وشفاءً يملأه بالسكينة بذكر القرآن.
إن قلب الإنسان، تلك المضغة الصغيرة التي لا يتجاوز حجمها قبضة اليد، حيّر العلماء ولا يزال يحيرهم. ففي كل يوم تكشف الأبحاث الطبية عن أسرار جديدة حول القلب وأمراضه وتأثيره الحاسم على حياة الإنسان.
وإذا كان القلب بخير انعكس ذلك على الجسد كله، وإذا مرض تعطلت دورة الحياة في الجسد بأسره.
وليس غريبًا أن يوافق هذا الاكتشاف قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
إنها معجزة الخالق سبحانه، في عضلة لا يتجاوز وزنها ثلث الكيلوغرام، تضخ الدم والغذاء والوقود إلى كل خلية في الجسد عبر شبكة متقنة من الشرايين والأوردة. قال تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ).
وقد انشغل علماء الغرب بدراسة تأثير الموسيقى على الدماغ والمناعة، لكن لو جرّبوا القرآن لوجدوا أثرًا أعمق وأعجب. فالقرآن ليس مجرد نغمات؛ بل هو كلام الله الذي خُلقت الفطرة على حبه والأنس به. وإذا ما استمع المؤمن لآياته شعر بالسكينة والطمأنينة، مصداقًا لقوله تعالى:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
ولأن الضغوط النفسية من أخطر ما يرهق القلب، فقد جاء علاجها في القرآن واضحًا: العفو. فكم من غضبٍ أطفأه العفو، وكم من قلبٍ أثقلته الضغائن فشفاه الصفح. يقول تعالى:
(فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)،
وقال أيضًا: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
فأجمل دواء للقلوب ليس في العقاقير ولا العمليات الجراحية، بل في العفو الذي يطهّر النفس من الأحقاد، وفي القرآن الذي يسكب الطمأنينة في الأرواح. وبهما معًا يجد الإنسان السكينة التي يبحث عنها وسط ضغوط الحياة.
نسأل الله أن يجعل قلوبنا مطمئنة بذكره، نقية بالعفو، ثابتة على الإيمان، وأن يكتبنا من الذين قال فيهم:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ… أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)



