قراءة في مجموعة (النبش بين الركام) لـ الرستم

عبدالله الرستم ينبش بين ركام شخصياته ليستخرج آلامها وماضيها
قراءة: هاني الحجي
استخدم الكاتب عبدالله الرستم في مجموعته القصصية (النبش بين الركام) الصادرة عن ناد الجوف الأدبي الكتابة الرمزية والكلاسيكية والساخرة محاولًا التجريب في قوالب قصصية يصب فيها أفكار قصصه المتنوعة، والتي نبشها من بين ركام شخصيات أبطالها ليستخرج آلامها بالبحث عن ماضيها وتحليل دوافعها ويسلط ضوء السرد على ركام ما يدور في أفكارها وأعماقها النفسية، واستعادة الذكريات بكل آلامها،
ونبش في ركام قصصه عن شخصيات مهمشة وكشف جوانب أخرى ومن زوايا متعددة في حياة المرأة والتجارب الإنسانية وعلاقة شخصيات قصصه مع العالم المحيط بها والخارجي، فالركام في قصص المجموعة رمز لحالات الانهيار المادي والمعنوي والنفسي للأشخاص والانغلاق والاكتئاب والضياع، والبحث عن الذات وركام الماضي المؤلم، والآثار التي تركتها الصراعات والأمراض على شخصيات قصصه، وتناولت ركام من المشاعر المكبوتة والعقبات والصعوبات التي واجهوها، وذكرياتهم المؤلمة وتحولاتهم النفسية والاجتماعية.

عبدالله الرستم
بداية في قصة (أوجاع حميدة) تلقى نزار خبر إصابته بالمرض القاتل نبشت القصة في الآثار النفسية التي عاشها وركام الخبر على نفسيته لتنبش الألم الذي عاناه بعد خروجه من العيادة، وهو يتأمل كل ما حوله بعين المودع للحياة حتى وصل للبيت، وألقى بكومة جسده على السرير بدون أن يخبر أحدًا، وعند جلوسه من النوم صعق وأهله عندما لم يجد رأسه، ورأى وجهًا آخر أصاب من في البيت الرعب إلا (نزار).
انتقلت القصة مباشرة إلى الرمزية بدون أن تعطي مفاتيحًا للمتلقي عن رمزية التغير في وجهه.
كان يمكن أن يصور بعض التحولات الجوهرية في شخصية البطل بعد معرفته بمرضه، أو التغيير في سلوكياته، أو في رؤيته للحياة، ولمن حوله من خلال ربط مشهد خروجه من العيادة في فلاش باك واستيقاظه من النوم برأس جديد!
تتجلى في قصيته (طوق نجاة) رمزية الفساد من خلال مشهد لمدير غاضب وبائس تتعرض شركته لخسائر فادحة، ويبدأ في البحث عن حلول لإنقاذها من الإفلاس ويتعلق بأي طوق النجاة، ولم ينتبه لكنس الفساد الذي تسبب في الخسائر وهو الحل الذي يقدمه الكاتب للقارئ على طبق جاهز يختم بها القصة في جملة تقريرية مباشرة تهدم جماليات دلالاتها الرمزية “لأنه مازال يظن ان الشركة تحتاج الى تطهير منابع الفساد في الخلاء)”
تتناول قصة (عندما تتجمد الذاكرة) مرض (الزهايمر) عندما ينبش (مروان) وزوجته (أمجاد) مواقف صعبة مرا بها بسبب النسيان ويؤملها أنه بدأ يتعالج ذاتيا، ولكن حينما يريد الخروج تسأله أين سيذهب؟
قال: لجلسته المعتادة لصديقه أبي عبد الرحمن!
تذكره زوجته أن صديقه يرقد في قبره!
هذه الجملة أعادت العبارة الشهيرة لـ “ماركيز لا أعرفك، ولكن أعرف أني أحبك” عندما فقد ذاكرته، وسأله صاحبه إن كان يعرفه ليؤكد أن المشاعر الصادقة تظل راسخة بجذورها وتثمر كشجرة حتى وإن تساقطت أوراقها في خريف فقدان الذاكرة.
بنى (الرستم) في هذه القصة شخصية مريض (ألزهايمر) بطريقة سردية مسبوكة وبهيكلية قصصية في الفكرة بطريقة مختلفة عن نمطية الشخصيات التي تم تناولها في القصص المكررة، ووضع أصبعه في قصته على جانب إنساني حساس، يتعلق بمريض (الزهايمر)، وتدرجه في فقدان الذاكرة.
يمر(مروان) بمفارقات تتراوح بين الذاكرة والنسيان، الذي يخرج عن الأمور الاعتيادية حوله حتى يصل لدرجة الوعي ونسيان الذات.

هاني الحجي
في هذه القصة يهدم (الرستم) صورة مريض (الزهايمر) المعروفة ويعيد تشكيلها، وفقًا لصورة المريض المثقف العارف بمرضه، و الذي يبحث عن المعرفة، وذاكرته المصابة مختزنة بالخبرات، ولا يقدم المريض في حالة يأس وعدم وعي -کما هي الصورة السائدة لمرضى (الزهايمر)-، وإنما الواعي والمدرك بمراحل الذاكرة في مرحلة اللاوعي حتى تصطدم بوفاة صديقه!
تنبش قصة (مواهب عبر الأثير) في ذاكرة (أيمن) حينما يستذكر الإحباطات والمعاناة التي مر بها في طفولته عبر إذاعة المدرسة.
تبين القصة الإصرار والإرادة في تحقيق الأحلام وتجاوز الصدمات والعوائق والاحباطات النفسية التي تلقاها في المدرسة، حينما كانت لديه هواية أن يشارك في برنامج الإذاعة المدرسية، ولكن المشرف يستبد له بابنه، وحينما يأخذه الحماس يصعد على خشبة المسرح يتلقى صفعة من المشرف أمام الطلاب ظلت تمثل له ألمًا نفسيًا “كانت الصفعة التي تلقاها قاسية وموجعة مازال دويها يطن في أذنيه” حتى وهو يعمل في الأستديو ويقدم برنامجُا في الإذاعة بعد أن حقق حلمه لم ينساها.
بنبش في قصة (الفايروس) شخصية الزوجة المستبدة أو المتسلطة من خلال سلوكيات تفرض إرادتها على زوجها وتملي عليه الأوامر في تدقيقها المتناهي لأجل الحفاظ على صحة الأسرة، وخوفها الذي يصل الى درجة الوساوس من الفيروسات، كما يتجسد ذلك في أحداث القصة حيث تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في المنزل واللبس والحمام وغسل اليدين بطريقة تبرز هذه الشخصية من خلال رغبتها في السيطرة وإصدار الأوامر، مستخدمة خوفها من الفيروسات لإظهار قوتها داخل البيت وتضع الزوج في موقع الضعف.
“حاول كسر الحاجز المؤرق…….لكن محاولاته تبوء بالفشل فرقية شخصية فرضت وصاياها الأربعين بعد المئة لتحافظ على كيان أسرتها حفاظًا مثاليًا”.
تنتهي القصة بمحاولة يائسة من الزوج لتطهير علاقتهما من فيروسات الوساوس، ولكن لم تنجح لأن الفيروسات ملأت رأسها -كما يراها الزوج-!
ترمز قصة (رحابة العيش.. في النفق) للخروج من نفق الماضي والتحولات التي مر بها (أبو شاكوش) بعد ثلاثين سنة قضاها خلف القضبان وأدهشته التغيرات التي حدثت حتى أنه لم يجد بيته!
تتناول قصة (الرصيف الدامي) الصراع والنفسي لبطل القصة الذي يعيش الفقر، إذ تتمحور أمنيته في تحقيق أحلام طفلته، ولو في الأحلام بشراء الريش والتخيل أنه طائر يخرج من الواقع الى سماء الأمنيات، ونبش الكاتب في ركام المعيشة التي يُعانيها الفقراء، من خلال حديثه عن حياة (عبد الباري) بسردية شاعرية، ونبش الانهيار في خلجات نفس البطل، ولكن النهاية كانت مؤلمة بسقوطه من التحليق بجناحي الأحلام من الريش الذي جمعه على أرضية الرصيف الدامي والأكثر ألمًا كانت ابنته معه!
هناك أيضًا قصصًا نبشت في ركام قضايا اجتماعية مختلفة من الحياة مثل قصة (رجل أظل طريق العودة) (هبوط) (كاتب في قفص الاتهام) (الهروب من النص) (حسناء البحر) ………
تضمنت المجموعة أيضًا قصصًا ساخرة وقصص قصيرة جدًا، وهي تحتاج لوقفة وتأمل فيها، ولكن لأن المساحة محدودة أتمنى أن أعود لها في قراءة لاحقًا، أو يتناولها أحد المهتمين فالمجموعة تستحق أكثر من قراءة.



