ثقافة وفن

وداعاً سعيد السريحي

الاتجاه| جدة

خيم الحزن على الأوساط الثقافية والأدبية في المملكة العربية السعودية والعالم العربي إثر رحيل رمز الفكر الناقد الدكتور سعيد مصلح السريحي الذي وافته المنية يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر شعبان لعام 1447هـ الموافق للحادي عشر من فبراير لعام 2026م عن عمر ناهز الثالثة والسبعين عاماً قضاها في خدمة الحرف وتجديد الخطاب النقدي المعاصر ومثّل السريحي المولود في عام 1373هـ الموافق لعام 1953م حالة استثنائية في المشهد الثقافي السعودي حيث بدأت ملامح مشروعه المعرفي تتشكل منذ دراسته الجامعية في قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة.

وتجلت عبقريته النقدية حين انتقل إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة لينال درجة الماجستير عن أطروحته النوعية التي فككت شعر أبي تمام برؤية نقدية جديدة ثم أتبعها بدكتوراه ناقشت التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي وهي المرحلة التي أعلنت ولادة ناقد لا يكتفي بالقراءة السطحية بل يغوص في أعماق النص وأركيولوجيا الخطاب.

ولم تنفصل حياة السريحي المهنية عن شغفه الفكري إذ تنقل بين أروقة التعليم العام والعمل الأكاديمي بجامعة أم القرى حتى تقاعده عام 1418هـ ليمنح حياته بعد ذلك لصحيفة عكاظ التي شهدت توهجه الصحفي كمساعد لرئيس التحرير ومشرف على صفحاتها الثقافية التي باتت منبراً للمثقفين العرب .

وساهم السريحي بفاعلية في صياغة الحراك الثقافي المؤسسي من خلال عضويته الطويلة في مجلس إدارة نادي جدة الأدبي التي امتدت لعشرين عاماً وصولاً إلى اختياره عضواً في أول جمعية مهنية للأدب في السعودية عام 2021م تقديراً لمسيرته الحافلة بالعطاء والتميز وتجلت إسهاماته الفكرية في سلسلة من المؤلفات التي أصبحت مراجع أساسية للباحثين ومنها كتابه الشهير الكتابة خارج الأقواس وتقليب الحطب على النار وحجاب العادة الذي قدم فيه قراءة مغايرة لمفهوم الكرم في التراث العربي وصولاً إلى تأملاته المتأخرة في كتابه ذباب الوقت الذي صدر في عام 2020م.

لقد كان الراحل صوتاً سعودياً صدّاحاً في المحافل الدولية حيث مثّل المملكة في مهرجانات وندوات علمية كبرى امتدت من القاهرة وبغداد والشارقة وصولاً إلى تونس والجزائر والدار البيضاء ولم يكتفِ بالتنظير النقدي بل كان شاعراً يسكب روحه في القصيدة ومحكماً نزيهاً في الجوائز الأدبية المرموقة ليرحل السريحي اليوم تاركاً خلفه إرثاً لا يغيب بمرور الزمن ومدرسة نقدية ستظل تلهم الأجيال القادمة من الأدباء والباحثين الذين رأوا فيه المعلم الذي لم يخشَ يوماً من تقليب الحطب على النار ليبقى وهج الثقافة مشتعلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com