على خشبة الإبداع… أطفال «صيف العنود» يكتبون الحكاية بأصواتهم

كتب حمد دقدقي
في بعض الأمسيات لا تكون الفعاليات مجرد برامجٍ تُقام، ولا الورش محطاتٍ للترفيه العابر، وإنما تتحول إلى لحظاتٍ تُعيد اكتشاف الإنسان وهو في بداياته الأولى، حين يكون الطفل أكثر صدقًا من اللغة، وأقرب إلى الحقيقة من كل الأقنعة. وهكذا جاءت أمسية «المسرح التفاعلي» ضمن فعاليات «صيف العنود»، التي نظمتها جمعية العنود الخيرية مساء الخميس 6 أغسطس 2026م، الموافق 23 صفر 1448هـ، بالتعاون مع بيت الثقافة بجازان، ضمن برامج الأطفال التي تقدمها مؤسسة الأميرة العنود الخيرية.

لم تكن خشبة المسرح تلك الليلة قطعةً من الخشب ترتفع عن الأرض، بل كانت مساحةً رحبةً ترتفع فيها الأرواح، ويولد فوقها الإبداع، وتُمنح الطفولة فرصةً لتقول ما لا تستطيع الكلمات وحدها أن تقوله.
قاد المدرب وليد خميس الورشة بإيمانٍ عميق بأن المسرح لا يبدأ من النص، وإنما يبدأ من الإنسان. لذلك لم يبحث عن ممثلين، بل بحث عن قلوبٍ صغيرةٍ تؤمن بأن اللعب قد يكون أبلغ وسائل التعلم، وأن الخيال هو أول الطريق إلى المعرفة.
بدأت الرحلة بكسر جليد الخجل، ذلك الجدار الذي يقف طويلًا بين الإنسان وذاته. وما إن صعد الأطفال إلى المسرح حتى تبدلت الملامح؛ اختفى التردد، وانطلقت الابتسامات، وصار المكان أكثر اتساعًا من حدوده، لأن الأرواح حين تتحرر لا تعترف بضيق المسافات.
وفي تمرين «النحات» لم تكن الأجساد تتحرك فحسب، بل كانت الأفكار تتشكل كما تتشكل المنحوتات في يد الفنان. كل طفلٍ كان يصنع صورةً، وكل صورةٍ كانت تروي حكايةً لا تحتاج إلى شرح، فالفن العظيم هو الذي يجعل المعنى يُرى قبل أن يُقال.
ثم أخذت الأسئلة طريقها إلى الجمهور، فإذا بالإجابات تتدفق بعفويةٍ لا يصطنعها الكبار، لتصبح كل مشاركة لبنةً جديدةً في بناء المشهد. هنا يتجلى جوهر المسرح التفاعلي؛ فلا بطل يعتلي الخشبة وحده، ولا متفرج يبقى بعيدًا عنها، لأن الجميع شركاء في صناعة اللحظة، والجميع مسؤولون عن اكتمال الحكاية.
وتنقلت الورشة بين ملامح المسرح التاريخي والكوميدي والتراثي والكلاسيكي، قبل أن تؤكد أن المسرح التفاعلي ليس لونًا من ألوان الأداء فحسب، بل فلسفةٌ تؤمن بأن الإنسان حين يُمنح حق المشاركة، يصبح أكثر قدرةً على التفكير والإبداع والإصغاء للآخر.
ولعل أجمل ما حملته الأمسية أن المسرح أسقط الفوارق التي يصنعها العمر والمكانة. فحين دعا المدرب بعض الكبار إلى الصعود، لم يعد هناك كبيرٌ وصغير، ولا معلمٌ ومتلقٍ، بل بشرٌ يجمعهم فضاءٌ واحد اسمه الفن؛ ذلك الفن الذي يخلع عن الإنسان ثوب الهيبة المصطنعة، ليعيده إلى فطرته الأولى، حيث البساطة هي أصدق أشكال الحكمة.
وفي ختام الورشة، وُلدت قصةٌ جماعية من أفكار المشاركين، بدأت بخيطٍ صغير ثم أخذت تتسع حتى أصبحت حكايةً تدور أحداثها في أحد المستشفيات، يضيف إليها كل طفل مشهدًا، ويمنحها كل مشارك نبضةً جديدة، حتى اكتمل النص من خيالٍ جمعي، في صورةٍ تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يُملى، وإنما يُولد حين تتلاقى الأرواح.
لقد أثبتت هذه الأمسية أن المسرح ليس وسيلةً للتسلية وحدها، بل نافذةٌ تُطل منها الأجيال على ذواتها، ومدرسةٌ تُعلِّم الشجاعة قبل الأداء، والإصغاء قبل الحديث، والخيال قبل الحفظ. وما قدمه «صيف العنود» في هذه التجربة لم يكن ورشةً مسرحية عابرة، بل كان درسًا بليغًا في صناعة الإنسان، وإيمانًا بأن الطفل الذي يعتلي المسرح اليوم بثقة، هو المواطن الذي سيعتلي غدًا منصات الحياة بعقلٍ منفتح، ولسانٍ واثق، وروحٍ تعرف كيف تحوّل الحكاية إلى مستقبل



