جازان تكتب في اليوم العالمي للتعاونيات ملحمةً وطنيةً عنوانها الإنسان والتنمية

كتب: حمد دقدقي
ليست الأوطان العظيمة بما تمتلكه من الموارد وحدها، وإنما بما تبنيه من جسور الثقة بين الإنسان والمؤسسة، وبما تغرسه في النفوس من قيم التكافل والتشارك، حتى يغدو التعاون ثقافةً وطنيةً تتجاوز حدود المبادرات إلى صناعة المستقبل. ومن هذا المعنى العميق، جاء احتفاء الجمعيات التعاونية بمنطقة جازان باليوم العالمي للتعاونيات، ليؤكد أن المملكة العربية السعودية تمضي بخطى واثقة نحو ترسيخ منظومة تنموية تجعل من العمل التعاوني أحد أعمدة البناء الوطني، في ظل رؤيةٍ طموحة آمنت بأن الإنسان هو الاستثمار الأعظم، وأن الشراكة المجتمعية هي الطريق الأقصر إلى التنمية المستدامة.

وفي بيت الثقافة بجازان، افتتح مدير مركز التنمية الاجتماعية بمنطقة جازان الأستاذ أحمد عزيز فعاليات الاحتفاء التي نظمتها الجمعيات التعاونية بالشراكة مع مركز التنمية الاجتماعية، تحت شعار «التعاونيات تبني عالمًا أفضل»، في مشهدٍ جسّد وحدة الهدف، والتفاف المؤسسات حول رسالةٍ وطنيةٍ سامية، تؤمن بأن الخير حين يُنظَّم يصبح تنمية، وحين يُدار بفكرٍ مؤسسي يتحول إلى أثرٍ باقٍ في حياة الإنسان.
ولم يكن الحضور الكثيف للقيادات وممثلي الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي ومؤسسات المجتمع المدني مجرد مشاركةٍ بروتوكولية، بل كان لوحةً وطنيةً رسمت ملامح مرحلةٍ جديدة يتكامل فيها الجميع تحت راية الوطن، حيث تتلاقى الجهود، وتتحد المبادرات، وتتقاسم المؤسسات مسؤولية صناعة التنمية، لتغدو الجمعيات التعاونية شريكًا أصيلًا في مسيرة النهضة السعودية.

وأثناء التجول في المعرض المصاحب، بدت جازان وكأنها تعرض صفحاتٍ من كتابها الأخضر؛ فالبن الجازاني يروي حكاية الأرض التي لا تبخل بخيرها، والفل والأشجار العطرية ينثران عبق المكان، والمنتجات الزراعية والحرفية تعكس أصالة الإنسان الذي استطاع أن يحول موارد بيئته إلى قيمة اقتصادية وثقافية، في صورةٍ تختزل العلاقة الوثيقة بين الهوية والتنمية.
وفي كلمته، أكد الأستاذ أحمد عزيز أن العمل التعاوني يمثل إحدى الركائز الرئيسة لبناء مجتمعٍ أكثر تماسكًا وازدهارًا، وأن ما يحظى به القطاع غير الربحي من دعمٍ وتمكين يجسد الرؤية الوطنية التي جعلت من الشراكة المجتمعية مسارًا ثابتًا لتحقيق التنمية الشاملة، مشيدًا بما تقدمه الجمعيات التعاونية في جازان من مبادرات نوعية، أصبحت اليوم نماذج مضيئة في خدمة المجتمع وتعزيز الاقتصاد المحلي.

وكانت جمعية ثمرة التعاونية للتسويق الزراعي والتصنيع الغذائي إحدى أبرز الصور المشرقة لهذا المشهد، إذ تواصل أداء رسالتها بوصفها منظومةً تنمويةً متكاملة تربط بين المزارع والسوق والمصنع، وتعمل على تطوير أساليب الإنتاج، ونقل المعرفة الزراعية، وتعزيز الصناعات التحويلية، ورفع القيمة المضافة للمنتج الوطني، لتجسد نموذجًا عمليًا للاستثمار في الأرض والإنسان معًا.
كما برزت جمعية البن التعاونية بوصفها حارسًا لإرث البن الجازاني، وسفيرًا لواحدٍ من أهم المنتجات الوطنية، فيما أكدت جمعية الفل والأشجار العطرية أن المحافظة على الهوية النباتية للمنطقة تمثل استثمارًا اقتصاديًا وثقافيًا في آنٍ واحد. وأسهمت الجمعية التعاونية متعددة الأغراض في تقديم صورةٍ متكاملة عن تنوع مجالات العمل التعاوني، بينما واصلت الجمعية التعاونية للثروة الحيوانية جهودها في دعم المربين، وتطوير الإنتاج الحيواني، والإسهام في تعزيز منظومة الأمن الغذائي الوطني.

لقد حمل هذا الاحتفاء رسالةً أبعد من حدود المناسبة، مفادها أن التعاون ليس شعارًا يُتلى، بل ميثاق عمل، وأن التنمية لا تُصنع بجهةٍ واحدة، وإنما بتكامل الأدوار، وتوحيد الرؤى، واستثمار الطاقات، حتى تصبح المبادرات المجتمعية جزءًا أصيلًا من مشروع الوطن الكبير.
وهكذا، تواصل جازان تقديم نفسها بوصفها نموذجًا سعوديًا متفردًا، تتعانق فيه خصوبة الأرض مع عطاء الإنسان، وتتآلف فيه المؤسسات تحت راية القيادة الرشيدة، لتؤكد أن المستقبل لا يُبنى إلا بالشراكة، وأن التعاون سيظل قيمةً راسخة تثمر أمنًا ورخاءً وازدهارًا، وتكتب للوطن صفحاتٍ جديدة من المجد، عنوانها: الإنسان أولًا… والتنمية دائمًا



