مقالات

الأدب الشفهي .. عمل موسوعي رائع

الأدب الشفهي  في ابسط تعريفاته هو ذلك الأدب الذي يعتمد في المقام الأول علي النطق والمشافهة  بوصفها  بقايا أثرية من عهود سالفة تعود  لأجيال سابقة وذكر بعض المعرفين  انه الأدب الذي “تنتقل فيه الكلمة من جيل إلى آخر أو من فئة أو مكان إلى اخر وقد ينتاب ذلك النقل زيادة ونقصان ، هو نتاج ضمن صور الأدب المعروفة التي تعكس الصورة الحقيقية لحياة مجتمع من المجتمعات، وعادة ما بكون عند البسطاء مهم التي هي ما تصنف بالطبيعة الشعبية ومن التعريفات الجامعة  تعريف المستشرق جوفاني كانوفا : “هو الأدب الشائع في الطبقات التي تسمى عادة بشعب أو عامة، وله ميزات خاصة به في بعض الأحيان ومشابهات مع الأدب الكلاسيكي ويذكر انه قد بلغ أوج انتشاره فبشكل أوسع بعد أحداث سابقة للقرن التاسع عشر الميلادي”.

 وينشأ أي أدب شعبي للتعبير عن خلاصات التجارب الحياتية وفن صياغة الحكمة مما يتذكرون من الماضي السحيق والتغني أثناء مزاولة الاعمال ذات الطبيعية الشاقة كالزراعة والحصاد وغيرها ، فهو ابن البيئة التي ينشأ فيها، وهو حصيلة ما يكسبه الأفراد من تلك البيئة ويتأثر بذلك الأدب  بكونه صادرا عن جماعة معينة  ذكر البعض  انها تكون مغلقه وهذا ليس شرطا  بد ليل أن المناطق الشعبية المتجاورة  سواء كانت ريفية تمثلها القرى أو حضارية تمثلها  المدن حيث يتأثر الأدب الشفهي بخصائص وتركيبة  تلك الجماعة التي نشأ فيها  والذي من أهم خصائصه أنه أدب شفهي، فهو معني بالحديث  “المشافهة ” والسماع، ويعتمد على ثقافة حية تهتم به وتقوم بنشره  ونقله من جيل إلى جيل كما ذكرنا ، وعندما يضيع من الذاكرة يفقد تماماً، على نقيض الأدب المدون الذي يسهل حفظه ونقله وتذوق كل جوانبه فيما بعد على اختلاف العصور والأمكنة . ولقد تباينت الاتجاهات واختلفت في تحديد موضوعات الأدب الشعبي الفرعية التي تندرج تحته أو قوالبه التي يصب فيها منها الحكايات الشعبية والأغاني الشعبية والأهازيج والامثال والاسطورة.

وبنوع من التخصيص ولو ركزنا قليلا على  نصوص  الأدب الشعبي أو الشفهي في منطقة الباحة وما فيه  من نصوص بكونه ديوان الجماعة الشعبية وسجل منجزاتها  وحصيلة خبرتها ومعارفها فهي غنية بالتراث وخاصة الموروث الشفهي ، والذاكرة تحفل  بالكثير من  مكنونته وهو منتشر ضمن القوالب السابقة  وتعتبر الحكاية  الشعبية :الروية” منها المقنعة والاسطورية من  ابرز تلك الموروثات الادبية  و كانت تروى لأخذ العبرة  والفائدة كالتأديب أو التخويف من الأشياء الخطرة ، وقد كثر تناولها  لأسباب منها التسلية  وهدهدة الاطفال  وتنويمهم  في منطقتنا  وذلك  كله ضمن الادب الشعبي الذي يضم الشعر الشعبي   والفلكلور والأمثال  والألغاز  والحكم  وأهازيج الاطفال والروية والقصص  وغيرها التي رواها الأبناء عن الأباء والأباء عن الاجداد  وكانت الروايا في الماضي لها طابع خاص وخاصة قصص الجدات وكبار السن  بعضها مستمد من البيئة وبعضها من نسج الخيال  وبعضها مستمد من كتب قديمة  والبعض مها أسطوري وخرافي  يستخدمون صيغ تعبيرية  جاهزة مثل (جاءكم واحد ولا واحد الا الله) .

ونذكر بعضا من تلك الروايات المتداولة منها  : قصة حميد  بن منصور فقيل  انه من اليمن وقيل من زهران والأرجح انه شخصية أسطورية   تتلخص أحداثها  حول  وصية حميد لابنه عن زوجته الحامل  حيث أوصاه عند سفره اذا وضعتها أنثى قتلها  ولم ينفذ  الأبن تلك الوصية شفقة منه ، وكبرت الطفلة  وقد جنى من ورائها الويلات  ولب القصة  شبيه بوأد البنات  في الجاهلية  ، وكذلك قصة  أبو نواس في الدهاء  ولكن سيقت  القصة  لتظهر علة الغباء وايضاً قصة الجد كنان بن عامر الذي تعرف على فتاة  في الحج تدعى ليلى  وهام في حبها لدرجة  أن تبعها في اليمن  وخاض مشاكل كبيرة حتى جلبها إلى بلاد زهران  وله أشعار في ذلك.

و قصة القفعي عن جمع الحكم والسوالف وقصة الدوي عن الاحتيال  وقصة بالبرش عن حفظ السر وقصة ابن الاملس في سبت بلجرشي  عن  الحكمة  والدهاء ، وايضا القصص والأساطير المروية والمتوارثة   كالرواية المشهورة عن سد الحوية ؛ انه كان لعائلة فاختلف على قسمته وعندما فشلت محاولاتهم للقسمة  ظهر لهم حنش وقسمه بينهم  و والقصة الاسطورية  “ذي عين ”  وفيها  العصا  التي سقطت من صاحبها  في اليمن  ثم استخرجها  من قرية ذي عين  في الباحة  وجاءت بعض تلك القصص محكية على ألسنة الحيوان  أشبه  ما تكون  بقصص كليلة ودمنة  للفيلسوف الهندي بيدبا التي طورها ابن المقفع  كروايتي  السعلي أو السعالي وهو كائن خرافي والجعيرة  وكذلك أهازيج الأطفال وخاصة البنات “دبق دبق جلاجل  يامهرة تعاجل” والألغاز مثل “تدور وتهل شيبها “ثلاثة “عبيد عقالهم “و بعض الكلمات التي يصعب تكرارها : التيس ينتش الشثة والشثة تنتش التيس

 وقد تم مؤخراً أن قامت جمعية الثقافة والفنون فرع الباحة مشكورة بمشاركة مع الإمارة برعاية من صاحب السمو الملكي الأمير مشاري بن سعود بن عبد العزيز آل سعود  ومشاركة واشراف دارة الملك عبد العزيز  ودعم رجل الأعمال محمد الفقاس بإصدار موسوعة تتكون من ثلاثة مؤلفات اثنان منها  تناولا  كل ما يخص الأدب الشفهي والتراث   والثالث في كل ما يخص الطب الشعبي وبعض النباتات

واستمدت المعلومات من خلال  لقاءات  تطرقت  لجوانب  الحياة في منطقة الباحة  في فترة  ما قبل الطفرة وفترة الانتقال  وبداية  التغيير استضافت  تلك اللقاءات   ستة وسبعين  اخباريا – غالبيتهم من كبار السن –  ما بين مثقفين  وشيوخ قبائل وأصحاب مهن ومن عوام الناس ، جمعيهم يتحدثون في  بعض جوانب الحياة  قبل الطفرة  وعن حياة الناس وسبل المعيشة  وخصائص الحياة الاجتماعية والزراعة والبناء و والامراض  وطرق علاجها  والاسواق والعادات والتقاليد والا شعار والفنون الشعبية والألعاب  وأسماء النباتات واستخداماتها الطبية،  والأنواء  وأسماء بعض الحيوانات والطيور ، والأدوات، والأطعمة والطب الشعبي  مما هو مطلوب ضمن الأدب الشفهي  وقد اعتمدوا على كبار السن  الذين عاشوا تلك  الفترة  وما يختزنونه  من خبرات ومعايشات  ومعلومات ومعارف عمن سبقهم  ، ولم يقف التدوين عند  حدود الادب الشفهي و الفلكلور الذي  تم تحديده بعالية بل تطرق المشروع  إلى الكثير من التدوينات في جميع نواحي الحياة  في منطقة الباحة .

قام بهذا العمل فريق يتكون من عدة لجان ومشرفين وأعضاء وصل عددهم ستون  باحثاً ، وخرج المشروع في مجمله بشكل رائع غير مسبوق ومن اجمل صفاته  الوفرة المعلوماتية و الشمولية والتنوع ولكل عمل ما يعتريه من مشوبات مثل الحشو الزائد والتكرار والتركيز على كبار السن دون بعض المثقفين  في المنطقة  وعدم الالمام الكافي بطبيعة  عملية التفريغ من قبل بعض المفرغين  وكذلك  كتاب الطب الشعبي  الذي اهتم بأشياء حديثه  وأغفل  بعض الامراض القديمة وطرق علاجها  ولكن العمل في مجمله نعتبره عملا احترافيا وحقيقة أنه شمل الكثير من المهتمين الذين افادوه ، منهم على سبيل التخصيص اذكر ثلاثة  من ابرز المشاركين  هم : الأستاذ محمد ربيع الغامدي  ؛ تناول أكثر المجالات و  تكلم عن الأنواء والزراعة  والنباتات والحيوان  والطيور والبناء والاكلات والألغاز والأحاجي  و كذلك الأستاذ محمد فيصل مرادم  الذي  تكلم عن الانواء والنباتات والأستاذ سعد محمد الكاموخ أحد وابرز المهتمين بتاريخ وجغرافية و تراث المنطقة وهو باحث لا يستهان به على الرغم من وجود بعض الحقائق التاريخية المختلف عليها معه، وتم تعديلها بين اخد ورد.

وكان لي شرف المشاركة في عملية التحكيم ضمن ثمانية من الفاحصين أو المحكمين لاعتماد صحة المعلومات قمت بقراء متأنية للمسودة البحث وقفت فيها على  النقاط غير الواضحة كواحد من هؤلاء الثما نية ثم آل إلي الموضوع   مرفق معه  تقرير جمعية الثقافة والفنون بعد  أن اخذت الدارة ملحوظات كل فاحص  فقمت بمراجعة ملحوظات  الفاحصين  كل على حدة  واستخرجت النتائج  المهمة وذيلتها  بتقريري الختامي حول الموضوع  ثم رفعتها إلى الدارة ؛ قدمت ملخصا حولها للخروج بالقول الفصل فيها شمل مختصرا وضحت فيه مراكز قوة العمل ونقاط ضعفه لأن الدارة كان يشغلها دراسة الموضوع من ناحية دقة المعلومة أو إمكانية نشوء بعض الحساسيات من عدمه.

 وختاماً لعل موضوعات هامة وكبيرة في تاريخنا التراثي وثقافتنا تنال مثل ما نالت هذه المشروع الوطني من دعم و تخطيط واعداد فريق عمل من أكاديميين ومهتمين  ولجان  قامت  بجمع العمل وتوثيقة وتوضيح الفكرة وتقسيم العمل   وكل وهذا كان من أهم عوامل نجاحه.

عبدالحي إبراهيم الغبيشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com