حين عادت الدمية

هيفاء علي نورالدين
أنا الآن في الثالثة والثلاثين. لا بيت، لا عائلة، لا معنى واضح للغد.
كل ما أملكه هذه الأيام: حقيبة جلدية فقدت لونها، هاتف بلا رصيد، وجسد أرهقه الانتظار.
قبل أسبوعين، طُردت من آخر غرفة كنت أعيش فيها.
بلا صخب، فقط ورقة على الباب تقول: “تأخرتم عن الدفع. نعتذر.”
وأنا؟ لم أعد أعتذر لأحد. فقط أخذت حقيبتي، وسرت في شوارع المدينة حتى وجدت نفسي على باب عمّتي.
تعيش وحيدة في بيت قديم على أطراف الحي، ما زالت تحتفظ بأغطية الصوف التي كانت تحيكها أيام الحرب، وموقدٍ لا يعمل إلا حين تمسح عليه بقطعة قماش مبللة بالماضي.
دخلتُ غرفتها مثل اللاجئ، ولم تسألني أين كنت أو لماذا جئت.
فقط قالت:
“الغرفة الصغيرة لك. فيها نافذة، لكن لا تفتحها كثيرًا… الريح تحب أن تعبث بأحلام الناس.”
استيقظت صباحًا على صوت خطوات خفيفة.
كانت عمتي تقترب حاملة كوبًا من الحليب وقطعة خبز.
وضعتها على الكرسي الخشبي بجانبي، ثم ابتسمت.
لكنها لم تغادر على الفور.
من خلف ظهرها، أخرجت شيئًا…
دمية.
نظرتُ إليها بدهشة مشوبة بالحنين.
ثوبها الأبيض، شعرها المشعث، والعينان الزرقاوان… لم تخطئا الهدف.
“وجدتُها في الصندوق الأزرق، كنتَ لا تنام دونها.”
قالت عمتي ذلك، ثم وضعتها بين يديّ وغادرت.
في البداية، لم أستطع لمسها.
كيف تلامس ذاكرة دفنتها بيدك؟
لكن شيئًا داخلي انكسر. مددت يدي — لا، قلبي — نحوها.
كنت في الخامسة حين منحتها اسماً: لينا.
كنت أحكي لها عن المدرسة، عن الخوف من الظلام، عن ذلك اليوم الذي بكت فيه أمي بصوت مرتفع وأنا لم أفهم لماذا.
كنت أظنني نسيتها. لكنها لم تنسَني.
ظلت هناك، في الظل، تنتظر أن أفقد كل شيء، لأعود إليها.
جلست على طرف السرير، وضعت الدمية في حضني، وشعرت لأول مرة منذ زمن أنني لم أعد غريبًا عن نفسي.
شربت الحليب ببطء. كان دافئًا كما لو أنه حليب حياة جديدة.
سألتها بصوتٍ لا يسمعه سواي:
“هل تتذكرينني؟ أنا ذاك الطفل الذي كذب على نفسه ليتحمل العالم.”
لم تجب. ولم يكن عليّ أن أسمع شيئًا.
السكوت كان كافيًا ليخبرني أنني ما زلت على قيد الحنين.
نهضت.
نظرت إلى النافذة. الغيوم لم تمطر، لكنها وعدت.
وفي مكان ما في صدري، بدأت فكرة جديدة تنبت، ببطء… مثل عشب ينمو بين حجارة الأرصفة.
هل أبدأ من جديد؟
هل أبحث عن عمل، أو أكتب؟
هل أرسل هذه القصة إلى مجلة، أم أحتفظ بها في درج الغرفة؟
لا أعلم.
كل ما أعرفه أن شيئًا بداخلي قد عاد إلى الحياة.
وربما — فقط ربما — تكون هذه العودة بداية، أو وداعًا مختلفًا.
أغلقتُ الدفتر. نظرت إلى لينا، وكانت تنظر إليّ أيضًا.
هل ابتسمت؟ لا أدري.
لكنني ابتسمت… ولأول مرة، شعرت أن الغد لا يخيفني كما اعتدت.



