مقالات

وجه خلف الزجاج

القاص محمد جبران

قصة قصيرة – محمد جبران

وجه خلف الزجاج
فتحتُ نافذتي المطلة على الشارع. كان الهواء خاملًا، وغبار المدينة يتسلّل ببطء إلى صدري المتعب.
راودتني رغبةٌ ملحّة في الرحيل؛ إلى منابت المطر، وأصوات العصافير المتوارية بين ظلال العُتُمْ، إلى القرى الصغيرة المتناثرة فوق جبال السروات.
في صباح اليوم التالي، حزمتُ حقيبتي. لم أحمل إلا القليل، والكثير من الرجاء. قدتُ سيارتي جنوبًا، أتبع خيوط الغيم الرمادية، كأنني أبحث عن وعدٍ قديم بالمطر.
لم يبدأ الهطول بعد، لكن السماء كانت ترتّب مشهده على مهل.
وصلتُ عند المساء إلى قريتي الصغيرة؛ كانت البيوت غافية تحت ثقل الظلام الكثيف، وحين فتحتُ باب بيتنا، بدا كل شيء ساكنًا.
لم يطل نومي. أيقظني نقرٌ خفيف على النافذة. فتحتُها ببطء، لم أجد أحدًا، سوى انعكاس وجهي القديم يحدّق بي من وراء الزجاج. لم يبدُ غريبًا، لكنني لم أره منذ زمن بعيد.
خرجتُ إلى الهواء البارد، لامس النسيم مفاصل أصابعي. كانت رائحة الأرض ما تزال مبتلّة بندى الليل، بينما وميض البرق يشقّ الأفق البعيد.
تابعتُ السير، حتى ظهرت شجرة اللوز العتيقة، واقفة كما كانت. بالقرب منها، صخرة منخفضة اعتدتُ الجلوس عليها كثيرًا، وهناك، وجدتُ فتى يغمره الصمت.
كان منهمكًا في الرسم على أوراق مهترئة. ملامحه مألوفة، أعرفها منذ بدايات العمر؛ كان أنقى، وأبعد عن الخيبات.
اقتربتُ منه، ترددتُ في سؤاله، خشيت أن أفسد سكينته، وحين تكلمت، خرج صوتي دافئًا:
– هذا… هذا قلمي، وتلك أوراقي. كنت أبحث عنها.
رفع رأسه قليلًا. في عينيه توتر مكتوم:
– لم أكن أنا من ترك كل شيء وراءه، بل كنتَ أنت من مضى ولم يلتفت.
أردت أن أقول له إنني حاولت أن أعود، لكن الطرق تآكلت. غير أن الكلمات خانتني، كما فعَلتْ ذات زمن بعيد.
أغلق دفتره ونهض. حمل أقلامي، وبعضًا من ذاكرتي، ثم مشى مبتعدًا، واختفى بين جدران البيوت القديمة.
وقفتُ متأملًا بعده، والريح تعبث بأغصان شجرة اللوز.
رفعتُ رأسي نحو السماء؛ كانت السحب لا تزال تملأ الأفق، لكنها تعبر سريعًا كأنني لم أكن.
أدركتُ حينها فقط أن تلك السحب لن تمطر، وأنني لن أعود الفتى الذي كنت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com