
عبدالحي إبراهيم الغبيشي
قبل يومين، كنت على موعد مع جمال مختلف
جمال حاضر رأته عيناي .. وآخر استدعته ذاكرتي، التي عادت بي لاسترجاع شيء من متون التاريخ.
كل ذلك جرى وأنا وسط سوق رغدان، في تلك العصرية الصيفية تحت زخات هتان لطيف، وعلى مرمى النظر من مدينة الباحة
حضرت استجابة لدعوة كريمة، لمشاركة وجدانية في بدء انطلاق فعاليات سوق رغدان 2025 حيث جرى حفل بهيج، جمع البساطة والعفوية مع العمق والأثر، وتخللته الكلمات والعرضة الشعبية.
امتلأنا بهجة بالحفل، وبتلك الجولة على جنبات ما بقي في السوق من آثار شاخصة، كشواهد حية على عظمته.
ثم أنني بدأت رحلة بانوراميه للوراء، رأيت فيها أن رغدان ليست مجرد قرية، بل ذاكرة ومتن تاريخ
فاسم رغدان من الرغد والوفرة، وهي من أكبر قري غامد وحاضرة قبيلة بني خثيم، تعود إلى ثعلبة بن سعد بن مناة بن غامد، وتتكون من:
الدار، الحازم الجعرة، المضرم، الحُبيش، الأحد موضع السوق .. وشياخة هذه القبيلة في بيت بن عدنان، وهو من البيوت العريقة، وتعود القبيلة في جدهم إلى غاوي، ولذا هم يعتزون بـ بُلغاوي، وهذا ما أشار إليه الشاعر احمد الدرمحي في قصيدته خلال الحفل، إضافة إلى ما ذكره عن الغابة والسوق والبلدة، وهي من أشهر المعالم في منطقة الباحة، حيث قال:
يا سلام الله على الحفل وأصحابه
وعلى غامد وصبيان بُلغاوي
اسم رغدان أشهد أنه ماهو عادي
الغابة والسوق والقرية العظمى
أشهر اسم في الجنوب، اسم رغدان
والواقع أن سوق رغدان التاريخيّ يعتبر من أكبر وأهم الأسواق التجارية، حيث أكسبه موقعة الجغرافي أهمية بالغة، فهو يقع بين قبلتي غامد وزهران، ويحيط بها مجموعة القرى والقبائل من غامد وزهران، مثل:
قبيلة بني حسن وبيضان وبني عامر.
وجرت العادة أن القبيلة أو القرية التي يكون فيها السوق تكون قادرة على حمايته وتأمينه، وأحيانا يُقسم السوق على القبائل والقرى الكبيرة، فيقال للقبيلة أو القرية الفلانية ناصفة السوق، أو رابعته أو ثامنته.
وموقع سوق الأحد الاستراتيجي جعله مكان تجاذبات للكثير من الأحداث الاجتماعية والسياسية سابقًا، وهو كغيره من أسواق المنطقة كان محكومًا بمجموعة من القوانين والاتفاقات “الشدات”، التي كُتب معظمها بعد القرن العاشر، وكان لهذه الأسواق أنشطة ووظائف اجتماعية مختلفة، كالتنكيل والتشهير بالخارجين على قوانين المجتمع، والإعلان عن الحروب والجوار، أو فكه وفرض قانون معين، وأحيانا تنصيب شيخ أو خلعه، والتحذير من خطر الأوبئة، إضافة إلى “البدوة” من عراق السوق، التي يقابلها الخطابة والمديح والمعاظمة
وسوق رغدان يعتبر من أهم محطات طريق الحج اليمني، وخاصة طريق العصبة، وقد وضعت من أجل سوق رغدان الكثير من الأحلاف والاتفاقات، وظل السوق يخدم مجموعة من الطرق والعقاب التي تربط السراة بتهامة، وأهل الديار يقولون قديماً “من معه سوق وعقبة يطا فوق كل رقبة”
شهد سوق رغدان أحداثًا تاريخيّة واجتماعية عظيمة، وقد أشار لها الرحالة السويسري جون لويس عام 1230هـ، وأيضاً المؤرخ حمد الجاسر، وعاتق البلادي.
ومن تلك الأحداث يوم رغدان مع الشريف عام ١٠٤٥هـ وكذلك قائم مقام عسير أتخذها مقراً له، ولعل أهم قيمة تاريخيّة تخلد ذكرى هذا السوق المعركة الفاصلة التي أنتصر فيها غامد وزهران على الأتراك عام1321هـ وقتل أثرها القائد أحمد باشا ومعاونه، وفي عام ١٣٢٧هـ أتخذ الإدريسي رغدان مقر لإماراته، وعين مصطفى النعمي والياً على غامد وزهران، ولم يدم ذلك طويلاً.
وفي العهد السعودي الزاهر عام 1374هـ شهد سوق الأحد استقبال الأهالي للملك سعود -يرحمه الله-
وقد تغنى بهذا السوق مجموعة من الشعراء الشعبين أمثال الزرقاوي، عندما قال:
يا خصيمي مانت باقوى من أحمد باشه
خذنا مرتينه وخذنا مدافعه
والشاعر صالح العسيس، يقول:
أحمد الباشه في بيت الكرت ياحليله
يتشفّع بربه ما احد يفهم كلامه
شربت رقعة رغدان من دم دميه
وأيضا الشاعر ابن ثامر، في خلاف بين مرتادي السوق بأسباب جِمالٍ هبطت السوق، وعرف أصحابه وسومها، وأردوا الحصول عليها، قالوا الذين غنموها نحن أخذنها بخشم البندق، وارتجل قصيدة حل بهذا الخلاف، حيث قال:
دونه اليوسي وقيف الثعلبي عنه المطارح تذهب
نعتزي بالله ولا نحتاج من دونه منازلي
يامنون أهل التجاره عندنا من حيث لقو ماني
عانتي بالله علام الغيوب ونقرع علم الذيب
بالمعابر تكرم الأتراك إذا صفو وجوهنا
تلك ما جادت به القريحة الكتابية، وما أسعفتني الذاكرة الآنية، عن رغدان البديعة الأيقونة، وإلا فتاريخها ممتد، وذكرها متسامي، وأثرها رحب، تحية لها ولإنسانها.

