مقالات

حين تنفلت الشخصيات من يد الكاتب

مرڤت أبو العينين (*)

في لحظةٍ ما، يتوقّف الكاتب عن كونه صانعًا، ويُصبح شاهدًا.

لا يعود يكتب، بل يُكتَب عبره. كأنّه يمسك مشرطًا، لا ليُجري عملية جراحية، بل ليفسح طريقًا لصوتٍ ظلّ مختبئًا في أعماقه… صوت لم يُسمح له بالكلام.

الكتابة الحقيقية لا تُدار بوعيٍ كامل، بل تُولد حين يصمت العقل الواعي، وتبدأ الكائنات السردية بالتحدث — لا بصوت الكاتب، بل بأصواتها هي. الكاتب هنا لا يفرض سلطته، بل يتراجع خطوة. يترك شخصياته تُفكّر، تُجادل، وربما… تُخالفه.

دوستويفسكي، المؤمن الأرثوذكسي، كتب على لسان “إيفان” أحد أكثر خطابات الإلحاد رعبًا وعمقًا في الأدب العالمي. هل كان ذلك تمرّدًا؟، لا. بل كان شجاعة. شجاعة أن تكتب ما تخشاه، أن تُطلق صوت الشك من داخلك، لا لتردّه بل لتسمعه حتى آخره. أن تترك الجرح ينزف، دون أن تبادر إلى تضميده قبل الأوان.

قال إيفان: (……..)

جملة لم يكن دوستويفسكي ليقولها بصوته، لكنها خرجت بصدق، عبر شخصيةٍ كانت تملك الحق في أن تتكلّم، وأن تُربك القارئ… وربما الكاتب نفسه.

في مشهد آخر، كانت ماري تسأل زوجها همنغواي، وهو يكتب نهاية “الشيخ والبحر”:

– لن تجعل الشيخ يموت، أليس كذلك؟

– من يدري؟ ربما كان ذلك أفضل شيء بالنسبة إليه.

همنغواي لم يتدخّل ليُنقذ بطله. لم يفرض عليه مصيرًا مريحًا. ترك البحر يقول كلمته، وترك الشيخ يتّخذ قراره. لأن الكتابة ليست ملعب الكاتب وحده، بل ملعب الشخصيات التي خُلِقت حرة، داخل قفص الحرية الذي هندسه الكاتب بذكاء.

الطيب صالح بدوره قال: “مصطفى سعيد أفلت من يدي.” ولم تكن تلك خسارة… بل انتصار. حين تهرب الشخصية من قبضة الكاتب، تكون قد بلغت طورها النهائي. أصبحت كائنًا مستقلًا، يتّخذ قراراته، ويقود السرد إلى أماكن لم يكن الكاتب يجرؤ على تخيّلها.

في الكتابة، لا ديكتاتورية ناجحة. الشخصيات لا تُكتب لتُطيع، بل تُكتب لتعيش. وإذا عاشت حقًا، فإنها ستفاجئك، وتُخالفك، وتربكك، وتجعلك تعيد التفكير… لا بها، بل بنفسك.

الكاتب الحقيقي لا يفرض الأفكار، بل يختبرها. يُحمّل شخصياته ما تستطيع حمله دون كسر. يعرف متى يتراجع، ومتى ينصت، ومتى يصمت تمامًا.

ليس كل صوتٍ فيك… صوتك.

بعض الأصوات لا تظهر إلا حين تكتب. وحين تكتبها بصدق، لن تملك السيطرة عليها.

وهنا يحدث السحر… تولد الرواية.

………….

(*) كاتبة وأديبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com