مقالات

التواضع المعرفي وتحيزات التأثير

د. نوف بنت عبدالعزيز الغامدي (*)

في مجتمعات تتقاطع فيها المعرفة مع الانطباع، ويتنازع فيها الصوت المرتفع مع العقل المتأني، قد يُقصى أصحاب الكفاءة، لا لضعف في فكرهم، بل لأنهم لا يتقنون العرض كما يجب، أو لا يلبسون الأقنعة التي تألفها المنصات. هذا النوع من الإقصاء لا يُمارس بقصد أو عداء ظاهر، بل يتم بشكل منهجي عبر شبكة غير مرئية من التحيزات النفسية والاجتماعية، التي تُعيد تشكيل معايير القبول والتأثير، دون وعي منّا.

وفي قلب هذه الظاهرة تتقاطع ثلاثة مفاهيم حاسمة: الانحياز الفكري (Cognitive Bias)، ورأس المال الثقافي (Cultural Capital)، ومتلازمة دانن-كروجر (Dunning-Kruger Effect). وهي مفاتيح لفهم ما يحدث عندما تُستبعد الكفاءة الحقيقية من دوائر التأثير، ويُحتفى بالثقة الفارغة، لا لفضل في القول، بل لهيبة في الصوت أو حضور في الشكل.

الانحياز الفكري ليس خطأ فرديًا، بل سلوك إدراكي جماعي. نحن نميل بطبيعتنا إلى ما يُشبهنا، ونطمئن إلى من يؤكد معتقداتنا، ونتجاهل من يهدد نمط تفكيرنا المعتاد. وحين يخرج أحدهم عن هذا السياق، لا نرى فيه فرصة للتوسّع، بل مؤثر على الاستقرار الذهني الذي نعيش فيه. نستخدم آليات عقلية معينة لتحديد الأفكار، لا بناءً على صحتها، بل على مدى انسجامها مع ما نؤمن به مسبقًا. وهكذا يتحول النقاش إلى ساحة لإثبات الذات، لا لتبادل المعرفة. والنتيجة أن المعلومة الأكثر دقة، إذا جاءت من شخص “غير مألوف” أو بطرح “غير تقليدي”، قد تُرفض، بينما يُرحب بطرح أقل عمقًا فقط لأنه ينسجم مع ما نعرفه سلفًا.

حسب دراسة نشرتها مجلة Nature Human Behaviour عام 2021، فإن 61% من الأفراد يفضلون المعلومة التي تؤكد معتقداتهم السابقة حتى لو كانت أقل دقة، بينما يقل احتمال قبولهم لمعلومة صحيحة إذا تعارضت مع قناعاتهم بنسبة تصل إلى 37%.

أما رأس المال الثقافي، بمفهومه الذي صاغه بورديو، فهو الامتياز غير المعلن الذي يُمنح لمن يحمل رموز الهيبة الثقافية: اللغة، المظهر، اللهجة، أسلوب الخطاب، الانتماء الاجتماعي. هذا النوع من الرأسمال لا يُكتسب بالضرورة بالاجتهاد، بل يُمنح ضمنيًا لمن ينتمي إلى سياق معيّن تصادق عليه النخبة. من يملك رأس المال الثقافي يُفترض فيه تلقائيًا الصواب، وتُفسَّر كلماته بحسن ظن، وتُستقبل أفكاره بتقدير. أما من لا يملكه، فيُعامل كدخيل، ويُحمَّل عبء الإثبات المسبق، وكأن عليه أن يُبرّر حقه في التحدث أصلًا. وهكذا، تتكرر على المنصات وجوهٌ معينة لا لأنها الأعلم، بل لأنها الأقرب إلى “الصورة الذهنية المقبولة”، بينما قد يُقصى الآخرون، لا لضعف في جوهرهم، بل لاختلافهم عن المظهر المعتاد للصوت الذي يُستمع إليه.

في دراسة أجراها معهد Brookings عام 2020، وُجد أن نسبة المتحدثين في المؤتمرات الدولية الذين ينتمون لطبقات اجتماعية نخبوية بلغت 78%، بينما تمثيل الأصوات المستقلة أو القادمة من خلفيات غير تقليدية لم يتجاوز 9%.

ثم تأتي متلازمة دانن-كروجر، لتُكمل المفارقة. وهي حالة نفسية موثقة تشير إلى أن الأفراد قليلي المعرفة غالبًا ما يبالغون في تقدير قدراتهم، لأنهم لا يملكون ما يكفي من الفهم ليدركوا جهلهم. في المقابل، يمرّ الأذكياء وذوو الكفاءة بما يُعرف بـ”تواضع الخبراء”، حيث يصبحون أكثر وعيًا باتساع ما لا يعرفونه، وأكثر حذرًا في إطلاق الأحكام. والنتيجة أن المجتمع، الذي يميل إلى من يتكلم بيقين وثقة، ينجذب تلقائيًا إلى الأقل كفاءة، ويُشكّك في صوت العارف لأنه لا يبدو واثقًا بما يكفي. فيتم تصعيد من لا يعرف، وتهميش من يعرف كثيرًا ليخشى التعميم.

حسب دراسة شهيرة نُشرت في Journal of Personality and Social Psychology، فإن 65% من المشاركين الذين سجلوا نتائج متدنية في اختبارات منطقية قيّـموا أنفسهم بأنهم “فوق المتوسط”، بينما 15% فقط من أصحاب الأداء العالي صنفوا أنفسهم كذلك.

ولعل ما يعمّق المشكلة هو أن هذا الأمر لا يتوقف عند الأفراد، بل يتجذّر داخل المؤسسات. وهي بدورها قد تعاني مما يُعرف بالجمود المؤسسي، أي الميل لتكرار نفس الأسماء، وتفضيل “المجرَّب” على “الجديد”، والآمن على المختلف. وهكذا، تُبنى أنظمة التأثير على معايير شكلية: من يجيد الحديث أكثر من من يفكر، ومن يملك العلاقات أكثر من من يملك الرؤية. ومع الوقت، تُصبح هذه المعايير عادة، والعادة تتحوّل إلى معيار، والمعيار إلى شرط… ثم ربما إلى إقصاء.

وفي قلب هذا المشهد، يغيب التواضع المعرفي. تلك القيمة التي تمثل ذروة النضج الفكري والمهني، لكنها اليوم تُفهم خطأً كعلامة ضعف. التواضع المعرفي هو القدرة على الاعتراف بحدود الفهم، على طرح الأسئلة قبل تقديم الإجابات، على التأمل بدلًا من التسرّع. لكنه، للأسف، في عالم تُكافأ فيه الحسمية والانطباع السريع، قد يُساء فهمه كارتباك أو تردد. من يقول “لست متأكدًا” يُنظر إليه كناقص خبرة، ومن يقول “أنا أعلم” يُمنح الثقة حتى لو كان يجهل الأبعاد الحقيقية للموضوع. وهكذا، ربما لا يجد العارفون مكانًا على الطاولة، لأنهم لا يصرخون، ولا يتسابقون على الكاميرات، ولا يختصرون المعرفة في جملة رنانة.

في تقرير لمؤسسة McKinsey عام 2023، أشار 54% من القادة التنفيذيين إلى أنهم يفضلون المرشحين الواثقين على المرشحين المتواضعين، حتى عندما كانت خبرات الأخير أعلى بمعدل 30%.

ما نحتاجه اليوم ليس فقط مراجعة الأشخاص، بل مراجعة البنية الذهنية التي تنتجهم. علينا أن نعيد تعريف من هو “الخبير”، لا بناءً على حضوره أو لهجته أو عدد متابعيه، بل على عمق تفكيره، ومنهجه، وأمانته العلمية. نحتاج إلى بيئات فكرية تُقدّر السؤال الذكي كما تُقدّر الإجابة المقنعة، تُنصت للمتأني كما تُصغي للمتحدث البليغ، وتكافئ التواضع المعرفي لا الثقة الزائفة.

المعرفة لا تصرخ، ولا تُفرض، بل تتقدم بهدوء. ولبناء بيئة معرفية عادلة، يتعين فتح المساحات لأولئك الذين يملكون الفكرة، لا فقط لأولئك الذين يملكون الحضور. فنهضة المجتمعات لا يقودها الأكثر ظهورًا، بل الأعمق فهمًا. ومن يعرف متى يصمت… غالبًا هو من يستحق أن يُنصت له.

….

(*) مستشارة تنمية اقتصادية وحوكمة إقليمية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com