البدوي

محمد محسن الغامدي
جئت من البادية وقد بلغت الثامنة من العمر، تعلمت هناك أن أتحدث إلى الإبل فتفهمني، وأن أخاطب منهل الماء الوحيد والعميق فلا ينضب. تعلمت أن أكون رجلاً يرحب بالضيوف، ويطلق حاجبيه، ويبتسم لهم ولو كان مهموماً، ثم يحمس حبات القهوة ويدقها في النجر النحاسي العتيق بأنغام ودقات موزونة تطرب مسامعهم، وتجعلهم يفركون شواربهم المفتولة، ويرددون أبياتاً مشهورة عن الشجاعة والكرم العربي.
أخذني عمي ثواب من بيئتي البدوية إلى الرياض، حيث يعمل هناك في السلك العسكري.
صَعُبَ حالي عليه وأراد لي أن أتعلم، وكان عازباً فأسكنني معه، وعاملني كولده تماماً. احتمل بداوتي، لكن الرفاق في المدرسة كانوا يتنمرون ويرددون ما أقوله بلهجتي البدوية بطريقة تجعلهم يضحكون.
في البداية صُدمت وانكسرت، لكن دعم عمي جعلني أتجاوز كل ذلك التنمر، وكان لتفوقي في دروسي أثر كبير عند المعلمين.
مرّت السنوات مسرعة، وتخرجت من كلية الضباط الطيارين بمرتبة الشرف والتميز. لكن هوايتي في نظم الشعر الشعبي كانت تسابق طائرتي الحربية، فأبدعت فيها وأصبح لي متابعون ورواد، وشعر يُغنّى ويُنشد.
عدت إلى البادية حيث مضاربنا التي غادرتها صغيراً. اجتمعت الإبل حولي تسابق قبلات أمي وأخواتي، وبادرتني أختي (شفيا) بترديد أبيات من قصيدة مشهورة لي.
وبعد أيام، وعند وداع الأهل للعودة إلى الرياض.
رأيت الدموع تسيل من عيون الإبل لرهبة الوداع، بينما أمي وأخواتي يحاولن إبعاد النوق عن سيارتي دون جدوى.



