الطريق

هيفاء علي نورالدين
استيقظ حسن ذلك الصباح قبل أن يعلو صوت المؤذن في الأفق، كأن قلبه قد سبقه إلى يقظة لا يعرف سببها، وكأن في روحه نداءً خفيًا يجرّه نحو الخارج. أزاح الغطاء عن جسده، وألقى نظرة إلى السقف الخشبي الذي يعرف كل شق فيه، ثم جلس على طرف الفراش يتأمل العتمة التي بدأت تتراجع أمام خيوط الفجر الأولى.
كانت أمه قد سبقته إلى اليقظة، كما تفعل كل يوم، فأشعلت مصباح الزيت الصغير في المطبخ، وأخذت ترتب أواني الخبز على الطاولة الخشبية القديمة. حين فتحت الباب، اندفعت نسمة رقيقة تحمل رائحة الخبز الساخن، واختلط بها عبق الصباح الهادئ، ورائحة التراب المبلل بالندى.
الحارة ما زالت نائمة، بيوتها الطينية متراصة كأنها تحتضن بعضها من برد الصباح، والقطط تتسلل في زوايا الظلال، تبحث عن دفء أو لقمة متروكة. أما الطريق، ذلك الشريط الحجري الذي يمتد أمام الدار، فكان صامتًا لكنه ليس خاليًا؛ كأنه يتنفس بهدوء، ينتظر أول قدم تخطو عليه.
جلس حسن على العتبة، يراقب الطريق الممتد من سوق الخضار الصغير عند طرف الحارة، حتى الجسر العتيق الذي يقف شامخًا على النهر الضيق، ثم يضيع في ازدحام المدينة البعيدة. لم يكن هذا الطريق بالنسبة له مجرد أحجار مرصوفة، بل كان دفترًا مفتوحًا على حكايات الناس، وأحلامهم، وأوجاعهم.
كان أبوه يقول له دائمًا:
> “يا بني، الطريق معلمٌ صامت، يهبك من المعرفة ما لا تمنحه الكتب، إن سرت فيه بعينين مفتوحتين.”
لكن حسن شعر، في ذلك الصباح، أن الطريق يخاطبه بلسان لم يسمعه من قبل، كأنه يهمس له بحكاية ستنقطع إذا لم يتبعها الآن.
ارتدى قميصه الأبيض النظيف، وحمل حقيبته الصغيرة، وفي عينيه بريق مغامرة غير مألوفة. ابتسم وهو يقول لأمه:
– “أود أن أرى شيئًا من الدنيا اليوم.”
لم تسأله إلى أين، فهي تعرف أن بعض الرحلات لا تحتاج إلى إذن، بل إلى قلب مهيأ للمسير.
بدأ حسن رحلته من السوق، حيث بدأ الضجيج يتشكل ببطء؛ أصوات الباعة تتشابك بين نداء عذب وآخر متعب، وروائح النعناع الطازج والبصل تتداخل كأنها تصنع مزيجًا من الذكريات. كان بائع الطيور، الرجل العجوز بعمامته البيضاء، يقف أمام قفص كبير ويفتح بابه ليطلق عصفورًا في السماء، وهو يتمتم: “ليعود إليّ الرزق كما عاد الطير”.
في زاوية السوق، كان الشيخ عبد الجليل، صاحب الورشة الصغيرة، يصلح دراجة بيدين متشققتين كالأرض العطشى. رفع رأسه مبتسمًا لحسن، وقال:
– “إلى أين يا ولد؟”
– “أمشي في الطريق… أريد أن أراه كله اليوم.”
– “الطريق يا حسن أطول من أن تراه بيوم، لكنه يكشف نفسه لمن يمشي فيه بصدق.”
مع كل خطوة، لاحظ حسن أن شيئًا في الطريق قد تغيّر. الوجوه المألوفة فقدت دفئها، وبعض المحلات أُغلقت أبوابها مبكرًا، والجدران التي كانت تحكي ألوان الزمن غشيها شحوب غريب. في الأحاديث المقتضبة بين المارة، التقط كلمات متناثرة عن أرض ستباع، وبيوت ستُهدم، وطريق جديد سيُشق في قلب الحارة ليربط المدينة بالمصانع الكبرى.
وصل حسن إلى الجسر القديم، حيث كان يجلس مع رفاقه أيام الصبا، يرمون الحصى في الماء ويضحكون على ارتداداته الصغيرة، ويخططون لمستقبل لم يأتِ كما تمنوا. الآن، كان الجسر صامتًا، والنهر تحته أضيق مما تذكره، كأنه انكمش مع الزمن.
جلس على حافة الجسر، وأخذ يتأمل الطريق من هذه النقطة المرتفعة. أدرك أن كل ما عرفه منذ طفولته على وشك أن يتبدل، وأن الحارة ستفقد جزءًا من روحها، كما يفقد الإنسان ملامح شبابه حين يثقل عليه العمر.
في البعيد، لمح شاحنة كبيرة محمّلة بمواد البناء، تتقدم ببطء نحو الحارة. كان المشهد كافياً ليدرك أن التغيير ليس مجرد إشاعة، بل واقع يقترب بخطى ثقيلة.
ظل واقفًا طويلًا، وكأنه يريد أن يحفظ ملامح كل حجر، وكل زاوية، وكل شجرة ظللت المارة في القيظ.
تذكر حكمة أبيه مجددًا؛ فالطريق ليس في حجارته ورصفه فقط، بل في الأرواح التي مرّت عليه، والحكايات التي تناثرت على جانبيه، والضحكات التي ما زال صداها عالقًا في الجدران.



