مقالات

حوش الريح

هيفاء علي نورالدين (*)

كان البيت يقف عند أطراف القرية، منفردًا كشيخ يشيع من رحلوا.

الجدران العالية متشققة، وساحته الواسعة تحرسها شجرة تين صامتة. لم يكن أحد يمر قربه إلا ويتوقف قليلاً ليستمع: الريح هناك مختلفة، كأنها تحتفظ بما لا يقوله البشر.

خديجة عاشت في ذلك الحوش نصف عمرها. بعد موت زوجها، وبعد أن حمل البحر أولادها إلى مدن أخرى، صارت تنام بين الجدران وحدها. وحدها، إلا من الريح. لم تكن تعتبرها عدوًا، بل رفيقة. في المساء تجلس عند العتبة، وتترك الفنجان يبرد بين يديها، منصتة للصفير الذي يتسرب عبر النوافذ المخلخلة. أحيانًا كانت تظنه رسالة من ولدها الأصغر، وأحيانًا صدى خطوات زوجها وهو يدخل البيت في آخر مرة.

كل شيء في الحوش كان يذكّرها بما غاب: البلاط المشقق الذي حفظ ثقل أقدامهم، الباب الحديدي الذي يئن حين يفتحه الغريب، السقف الذي تسلل منه المطر في شتاء بعيد، حتى الريح نفسها، كانت تبدو وكأنها تعرف أكثر مما ينبغي.

ذات مساء ممطر، طرق باب البيت شاب لا تعرفه. وجهه شاحب، وعيناه تائهتان. أدخلته دون سؤال. جلس في الساحة يواجه الشجرة، وقال كأنه يخاطب نفسه:

“رأيت هذا البيت من قبل، في حلم أو في ذاكرة لا أذكرها.”

منذ تلك الليلة، لم يعد البيت كما كان. صار الغريب يعود، يصلح نافذة، يدهّن جدارًا، يعيد للحوش شيئًا من صوته. ومع كل إصلاح، كانت خديجة تكتشف فراغًا آخر في داخلها، فراغًا أعمق من الجدران.

لكن الريح لم تهدأ. على العكس، كانت تزداد قوة. كلما ضحك الشاب، ارتفعت أصواتها في الممرات. وكلما جلست خديجة صامتة بجواره، جاءها صوت آخر من الماضي، كأن الريح تغار من الحاضر، أو كأنها تريد أن تذكرها أن البيت لم يُبنَ ليكون مسكنًا فقط، بل ذاكرة أيضًا.

في ليلة مقمرة، والريح تضرب النوافذ بعنف غير مألوف، شعرت خديجة أن الحوش يهتز معها، وأن الأصوات التي كانت تسمعها منذ سنوات، أصوات من غابوا، تتداخل مع وقع خطوات الغريب. لحظةً، لم تعد تميّز بين مَن هو هنا ومَن هو بعيد.

أدركت أن حوش الريح لم يكن مكانًا وحسب، بل كان حياة كاملة، حياة تخزن كل ما مضى، وتختبر كل ما سيأتي. بيت لا يعرف معنى الاكتمال: كل ريح تحمل وجهًا آخر، وكل غياب يولد حضورًا جديدًا.

…..

(*) قاصة ليبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com