مقالات

اللحظة الخاطفة سحر القصة

صفاء الأحمد (*)

القصة القصيرة ليست ابنة الاستطراد ولا الحكاية المطوّلة؛ إنّها نصّ ينهض على لحظة خاطفة، ويستثمر الهامشي لتشييد متْنٍ جديد.

من يمعن النظر في بنية القصة القصيرة، يجد أنّها لا تقوم على حشد الوقائع وتكثيف الأحداث بقدر ما تقوم على فنّ الالتقاط؛ التقاط ما يبدو عابرًا، أو غير جدير بالوقوف عنده، وتحويله إلى مركز إشعاع دلالي يفتح أفقًا إنسانيًا ومعرفيًا واسعًا.

يكفي أن يصف الكاتب يدًا ترتجف على فنجان قهوة، كي يشي بقلق داخلي قد لا تعبّر عنه عشر صفحات من السرد، أو أن يلاحق عينَ طفلٍ تطارد فراشة ليضعنا في مواجهة مباشرة مع براءة مهددة بالانطفاء في عالم قاسٍ.

وهنا نواجه الدلالة مقابل الحدث، فالقصة القصيرة غالبًا تحتاج لحظة واحدة أو مشهدًا واحدًا يحمل وزنًا دلاليًا وعاطفيًا كبيرًا.

هذا ما يجعل القارئ يشعر بعالم كامل من المشاعر والأفكار، حتى لو لم يقم الحدث على شيء كبير، ما يفتح أبوابًا للسرد والتوتر الداخلي لشخصيات القصة.

ولا أعني بالطبع أنّ التفاصيل وحدها كافية لكتابة القصة الكاملة، لكنها مفتاح لبناء العالم الداخلي والخارجي لها، وهذه هي القوة الحقيقية لفن اللحظة في القصة القصيرة.

إنّها تقنية تحويل الجزئي إلى كوني، واليومي إلى رمزي، والهامش إلى متن.

ومن هنا أدرك كبار كتّاب القصة أنَّ سرّ هذا الفنّ يكمن في القدرة على جعل التفصيلة الصغيرة بوابة لعالم كامل.

ليس غريبًا أن نجد روّاد القصة في الأدب العربي مثل يوسف إدريس وزكريا تامر، قد أبدعوا نصوصًا متكاملة تقوم على حركةٍ بسيطة أو موقفٍ عابر.

يوسف إدريس مثلا في كثير من قصصه يحوّل مشهدًا يوميًا مألوفًا إلى مواجهة وجودية حادة، بينما يلتقط زكريا تامر في قصة قصيرة جدًا رفة جفن أو انكسارًا طفيفًا في نبرة الصوت، ليقول الكثير عن بنية الاستبداد والخوف في المجتمع.

أما في الأدب العالمي، فإن تشيخوف وكافكا يقدّمان النموذج الأبرز على أنّ القصّة القصيرة ليست فنّ السرد الطويل المصغّر، بل فنّ اللحظة الكاشفة.

إذن، ما الذي يجعل التفاصيل الصغيرة آسرة؟

الجواب البسيط أنّها تُشبهنا.

نحن لا نعيش حيواتنا في الأحداث الكبرى فقط، بل في المسافة الصغيرة بين الخطوة والخطوة، فتجيء القصة القصيرة لتمنح هذه المسافة بعدًا دلاليًّا شاسعًا، وقيمة جمالية ووجودية، وتعيد ترتيب علاقتنا بالعالم اليومي بحيث نراه مفعمًا بالمعنى.

 ولعلّ سرّ تأثير هذا الفنّ في المتلقي أنه يعيد إليه قدرته على الانتباه في زمن تستهلكنا فيه السرعة ونُحاصر بتفاصيل رقمية عابرة.

 نعود مع القصة القصيرة إلى تفصيلة واحدة لكنها مكثّفة ودالّة، تُذكّرنا بأنّ العبور إلى العالَم الكبير يبدأ من نافذة صغيرة، وأن الحركة العابرة قد تكون في عمقها لغةً موازية، لا تقلّ بلاغةً عن أي خطاب مطوّل.

يقول إدغار آلان بو، في مقالته النقدية (فلسفة التأليف):

“القصة القصيرة يجب أن تُكتب بحيث يمكن قراءتها في جلسة واحدة، لتترك في القارئ انطباعًا موحّدًا لا يتجزأ.”

وهذا لن يتحقق إلا حين نعامل التفصيلة كبنية سردية متينة.

القصة القصيرة مرآة قد تعكس الكون كلّه في تفصيلة واحدة، فتؤكد أنّ الصغير ليس بالضرورة قليل القيمة!

قد يكون هو المدخل الأصدق إلى أعماق الإنسان والعالم.

……

(*) قاصة وكاتبة أردنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com