مقالات

بين الغيوم وصوت الرصاص

هيفاء علي نورالدين 

قصة قصيرة

في مساءٍ بارد، غطّت الغيوم وجه القمر، وتسلّل خيطٌ خافتٌ من نوره بين ثناياها، كأنّه يطرق أبواب الليل بهدوء. أقفلت باب الغرفة بإحكام، وقد خيّم السكون أخيرًا بعد أن نام الأولاد، وارتسمت على وجوههم ابتسامات شقيّة تُشبه أحلامهم الصغيرة.

تجاوز الوقت العاشرة ليلًا، لكن النوم بدا بعيدًا عنها. أعدّت كوبًا من الشاي وجلست أمام التلفاز تتابع الأخبار، فيما قلبها يضجّ بالقلق منذ الصباح. حاولت أن تُبعد الأفكار الثقيلة التي تحاصر رأسها، لكنها استسلمت في النهاية للنوم على كرسيها، يثقل جفنيها التعب.

مع بزوغ الفجر، استيقظت على صرخات الأطفال. اليوم عطلة، وهذا يعني أنّ عليها اصطحابهم إلى منزل والديها. نظرت إلى الساعة، فوجدتها تشير إلى التاسعة. ركض أصغرهم، ذو الأربع سنوات، نحوها واحتضنها بعفويته، فابتسمت رغم القلق الذي ينهش قلبها. حاولت تهدئتهم حتى تُعدّ الإفطار، غير أنّ أفكارها لم تهدأ لحظة.

خرجت إلى عتبة الباب لتستلم الجرائد، تُقلّب أوراقها بسرعة، لكنّ الأخبار بدت متشابهة كالأمس. تفجير في أحد الشوارع البعيدة، وإطلاق نار على سيارة رجل أعمال معروف، لغرض السرقة. أغلقت الصحيفة بعصبية وألقتها بعيدًا، ثم زفرت في توتر.

كان يجب أن يتصل البارحة. حاولت مرارًا الاتصال به، لكن الرقم خارج الخدمة. عادت ذاكرتها إلى ذلك اليوم قبل أشهر، حين أخبرها بحماسة عن عرض العمل الذي تلقّاه كمراسل صحفي، وبراتب مغرٍ. يومها شعرت بسعادة غامرة، لكنّ الفرح ما لبث أن تراجع حين علمت أنّه سيُرسل إلى ساحة معركة. حاولت ثنيه عن قراره، لكنه أصرّ بعنادٍ لا يلين، كما اعتاد دائمًا.

أخفت قلقها عن الأطفال، وانطلقت بهم نحو منزل والديها. توقفت في طريقها عند بائع الحلويات، واشترت كعكًا يملأه السكر والذكريات. عند وصولها، كان المنزل هادئًا. ركنت سيارتها تحت شجرة زيتون عتيقة، فيما هرول الأولاد بصخب نحو جدّهم الذي جلس أمام الباب، يترقّب حضورهم بشوق. وكعادته، مدّ يده المرتجفة وأعطاهم بعض الدنانير، فرحوا بها كأنّها كنز.

في الداخل، كانت الجدة تُحضّر الفطور: خبز التنور الطازج، وبيض، وزيتون، وزعتر تفوح رائحته في الأرجاء. وضعت إبريق الشاي على النار، وعندما دخلت الابنة، قبّلت يد والدتها، ذلك الشعور الذي يُذكّرها دومًا بأنّها مهما كبرت، فهي طفلة أمام أمّها. سألتها القلقة:

— “هل اتصل؟”

أجابت الأم بحيرة:

— “ربما وقت الغداء، لا تقلقي.”

ابتسمت الجدة بتفاؤل هامس: “إن شاء الله.”

جلس الجميع حول المائدة، وتعالت ضحكات الأحفاد وهم يتذوّقون الخبز الساخن. حاولت هي أن تخبئ ارتجاف يديها، لكن قلبها كان مكانًا آخر، حيث يسكن القلق.

بعد الإفطار، خرج الجد مع الأطفال ليشتري لهم بالونات ملوّنة من صبي يقف أمام المنزل. وبينما كانت تراقبهم من النافذة، كسر صمت اللحظة رنين هاتفها. رقمٌ غريب ظهر على الشاشة. انتفض قلبها، ارتجف إصبعها وهي تضغط على زر الإجابة.

كان الصوت على الطرف الآخر بلكنة أجنبية، فحاولت أن تستجمع قواها لتفهم ما يقول. ابتعدت إلى زاوية بعيدة من المنزل، وأسندت ظهرها إلى الحائط، بينما الكلمات تتساقط على مسامعها كالرصاص. أخبروها أنّه أصيب برصاصة استقرّت بالقرب من قلبه، وأنّ عليها الحضور فورًا.

تجمدت، لم تعرف كيف تخبر عائلتها، ولا كيف تُحملق في وجوههم بعد هذا الخبر. نظرت إلى أمها التي كانت تبتسم وهي تجمع الصحون، إلى أبيها الشيخ الذي يلهو مع الأطفال في الخارج، إلى أولادها الذين يركضون بمرح، ودموعها تتجمع خلف جفنيها.

في لحظة حاسمة، قررت أن تصمت. أخبرتهم أنّها ستسافر في رحلة عمل لمدة أسبوعين، وخيّرت الأولاد بين البقاء مع جدّهم وجدّتهم أو الذهاب إلى خالتهم. وبما أنّ الجدّين مسنّان، فقد قررت أن تصطحب أصغرهم معها، تاركةً الآخرين في أمان العائلة.

سارعت بحجز تذكرتين، وفي اليوم التالي حملت حقيبتها وقلبها المثقل بالرهبة. كلما اقتربت من مكانه، شعرت أنّ الحقيقة تستعدّ لصفعها.

حين وصلت، وقفت أمام باب المستشفى، لم تجرؤ على الدخول أولًا. وضعت طفلها على كرسي وذهبت إلى موظفة الاستقبال تسأل عنه. أشارت الموظفة إلى شاب يقف بالقرب من غرفة العمليات، بدا متوترًا وقلقًا. هرعت إليه، تسأله بارتباك، فحاول تهدئتها ممسكًا بيدها، لكنها لم تستطع السيطرة على ارتجافها.

مرّت لحظات كأنها دهور، حتى ظهر الطبيب. ركضت نحوه والرجاء يسبق خطاها. أخبرها أن حالته حرجة، لكنه ما زال يقاوم. سارت خلفه إلى الغرفة، وحين فُتح الباب، سكن كل شيء من حولها.

اقتربت منه بخطوات مرتعشة، ورأت وجهه شاحبًا، وجسده نحيلاً. مدت يدها تتحسس ملامحه، ودموعها تنحدر بلا إذن. أمسكت كفه البارد، كأنها تتشبث بالحياة نفسها.

وفجأة، رفرفت جفناه بخفة. شهقت، ثم هرعت إلى الطبيب وهي تناديه. دخل الطبيب سريعًا ليتفقده، بينما وقفت عند الباب تراقب بأنفاس متقطعة.

خرج الطبيب بعد دقائق، وعلى وجهه ابتسامة دافئة. تمسكت بابنها بقوة، بينما هي تراقب من خلف الزجاج، حيث يرقد الرجل الذي أحبّته، يقاوم الموت بصمت.

في تلك اللحظة، شعرت أنّ هناك أملًا. أن الحلم الذي كاد ينكسر لا يزال ممكنًا. جلست تراقبه من بعيد، وهمست لنفسها:

“سأنتظر… ولو بين الغيوم وصوت الرصاص.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com