مقالات

بيّن الحرية والقدر: الرواية كمرآة للحياة

مرڤت أبو العينين (*)

الكتابة القصصية ليست مجرد نقل أحداث أو سرد شخصيات، بل هي عملية خلق حيّة، حيث يتحوّل الكاتب إلى مراقب ومدبّر في الوقت ذاته. يمنح الشخصيات مساراتها، يزودها بخياراتها، لكنه لا يسيطر على كل خطوة، ولا يملك كل مفاجأة. فهي، مثلنا نحن، تختار أحيانًا خارج توقعاته، تفاجئه، تزيح الستار عن انعطافات لم يكن في الحسبان، لتتحول الرواية إلى كائن حي، يتنفس ويعيش في فضاء مستقل، يرفض الانصياع للقواعد، ويضحك أحيانًا على خطط الكاتب المدروسة.

المفارقة الكبرى تكمن في التشابك المستمر بين الحرية والقدر: هل الشخصيات مخيّرة تمامًا؟ أم أن مصائرها تتحرك بين الاختيار المسموح والحدود المفروضة، مثلنا نحن في حياتنا اليومية؟ الرواية، مثل الحياة، تحمل هذا التوتر: السيطرة والانفلات، التوجيه والمفاجأة، التحديد والتحرر. وكلما حاول الكاتب الإمساك بخيط الأحداث، يجد أن النص قد انسلّ منه، كما تنسحب اللحظات من بين أصابعنا، تاركة أثرًا غير متوقع يغيّر كل المشهد.

وفي هذا التوتر يكمن الفرق بين الكاتب الذي يلتزم بالقواعد، والكاتب الذي يبتدع. الأول يحاكي، يكرر، يلتزم بالأنماط، كأنه يؤدي رقصة محددة في مسرحية قديمة. الثاني، يخلق بحرية، يترك مساحة لشخصياته كي تتنفس وتخطئ، كي تحب وتغضب وتتمرد، فينسج نصًا ينبض بالحياة، يدهش القارئ، ويمنحه لحظات من الصدمة والدهشة والبهجة، كما تمنحنا الحياة لحظاتها، أحيانًا ضاحكة، وأحيانًا قاسية، لكنها دائمًا صادقة.

الكتابة القصصية، في النهاية، مرآة للوجود، مزيج من التحكم والترك، من الاختيار والقدر، من المفاجأة واليقين. هي عالم حي تتعايش فيه الحرية مع الحدود، حيث تصنع اللحظة الواحدة أحداثًا تقلب الموازين، وتحوّل النص إلى تجربة تتجاوز إرادة الكاتب، لتصبح جزءًا من حياة القارئ كما هي جزء من حياة كل كاتب. وفي هذه التجربة، يكتشف الكاتب نفسه من جديد، ويجد القارئ جزءًا من نص لا يكتمل إلا بقراءته، تمامًا كما لا تكتمل الحياة إلا بتفاعلنا مع ما نواجهه من مفاجآت وأقدار مجهولة.

الروائي، إذاً، ليس مجرد صانع كلمات، بل هو راصد متأمل، متعايش مع الفوضى، يراقب الحرية والقدر يتناوبان على نصه كما يتناوب الليل والنهار، يكتشف أن كل لحظة كتابة ليست فقط عن الشخصيات، بل عن الكاتب نفسه، وعن القارئ، وعن كل ما يختبئ بين السطور من أسئلة الحياة الكبرى التي لا نجد لها إجابات، سوى في المساحة التي نتركها للخيال، وللحظة التي تتجاوزنا وتبقى معنا.

………..

 (*) كاتبة وأدبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com