ثقافة وفن

مجموعة (المعتقل الأحمر) لـ “نايف مهدي” .. تمزج بين الفانتازيا والواقعية السوريالية وتطرح تساؤلات فلسفية.

كتب : هاني الحجي

(المعتقل الأحمر) مجموعة قصصية للقاص نايف مهدي صادرة عن دار مجاز اشتملت على أربع عشرة قصة قصيرة وطويلة ترتكز المجموعة في مواضيعها السردية على ثلاثة محاور رئيسة الجانب الإنساني والفانتازيا الممزوجة بواقعية سوريالية وذكريات الحارة والطفولة .
المحور الأول الجانب لإنساني

اشتملت المجموعة على قصتين الأولى (ضوضاء جارفة) حيث تناولت ألم فقد الأب وتأثيره النفسي على الابن وشعوره بالوحدة ووجع الذكريات التي تتقافز في مخيلته والأماكن التي تثير أشجانه وذكرياته بوالده ليظل يبحث عن صورته في كل زوايا البيت وغرفته وسريره، وتصف القصة تعطش الابن لحنان والده وانعكاساته في البحث عن الأمان، وتأملاته الفكرية والفلسفية والنفسية للموت بعد صدمة الفقد.

” إن رائحتك يا أبي مازالت عالقة في الفراش وأنفاسي وفي جدران هذا البيت البارد الموحش وإطار النوافذ وفي أوراق التينة القديمة وسقف البيت ……)،وفي القصة الثانية ( نسائم أخيرة) أبدع نايف في كتابة المشاعر

الإنسانية لامرأة تحلم بالأمومة، لكن كلما اقتربت من حلمها يهزمها المرض ويجهض أمانيها لينهار مشروعها الأمومي وتسوقها الأقدار لتلتقي في المستشفى بطفل (يتيم) تجمعهما مشاعر الأمومة المفقودة وأحلام الطفولة بأمنيات حنان الأم ولا تلبث أن تفرقهما الأقدار، أما في قصة (المعتقل الأحمر ) التي حملت عنوان المجموعة فحمل العنوان دلالة رمزية بوصفه المعتقل باللون الأحمر فالمعتقل بمعناه الواسع وليس المكاني احتواءه الجسدي للأشخاص لتقييد حريتهم المكانية والزمانية، وجاء في القصة برمزيته للعزلة الفكرية والعذاب النفسي والروحي ومحاولة المعتقلين فيه تجاوز دوائرهم الضيقة وتضمنت إسقاطات برمزية ودلالات متنوعة مثل حريةالتفكير الفردي، ومحاولة الخروج من زنزانة الوعي الجمعي للفردانية، وتناولت القصة الصراع النفسي للأشخاص مع ذواتهم ومحيطهم، ولحظات الدخول في الزنزانة بمعناها الجسدي والمعنوي وأعادت من خلال أبطالها تعريف مفاهيم الهوية ومحاولة تصالح الإنسان مع ذاته ومجتمعه، أماوصف المعتقل بالأحمر فهو يرمز لحب الحياة والغضب والتمرد والقوة بكل معانيها التي تلونت بشخصيات القصة داخل الزنزانة .
” هناك نور برتقالي مقدس يرتعش ويختلط بالزرقة ويتوهج في رأسي وراء جفني المطبقتين بطهارة وخفة ، هل أهذي، هل أحلم؟)

هاني الحجي

المحور الثاني الفانتازيا والواقعية
يمزج القاص نايف مهدي في قصصه بين الفانتازيا والواقعية بلغة وصفية عالية ولديه قدرة على رسم الشخصياتوالغوص في أعماقها وانتقالهم في أحداث القصة بدون أن تربك المشهد الزماني والمكاني في البناء القصصي وأبدع في كتابة قصص الفانتازيا الواعية التي تمزج الخيال بالواقع السوريالي لتعالج قضايا فلسفية واجتماعية مثل قصة (القط عوينان) التي تعكس فلسفة الصراع الذي يعيشه الإنسان في محيط تنهشه الذئاب البشرية ومحاولته الصمود على مبادئه وقيمه حتى لو كلفه الوصول لها حياته.

“فتبسمت بمشقة واطمأننت بوصولي وارتخت جفناي لاإراديًا وصوت خرير الماء يتناهى إلى سمعي من بعيد”
يوظف نايف الفانتازيا أيضًا لإعادة اكتشاف الواقع والغوص في أفكار ونفوس أبطال قصصه لإعادة تشكيل وعيهم الداخلي والخارجي وينسج في قصصه البناء الحكائي المتخيل مع القارئ ليطرح عليه من خلال أحداث القصص وشخصياتها أسئلة مربكة تتعلق بالجوانب الأخلاقية تجاه المواقف الإنسانية الكبرى والذاتية وعلاقتها بالأشياء المحيطة .
يشبه نايف في أسلوبه الكتابي كابتن الطائرة المحترف بقدرته على التحليق بالقارئ على أجنحة الخيال ثم يهبط به بهدوء إلى الواقعية بدون أن يشعره باهتزازتها ويستطيع ببراعة الاستمرار.
في هذا التزامن بين التحليق في سماء الخيال والهبوط إلى أرض الواقع طوال أحداث قصصه .

الحارة الشعبية

الحنين للحارة الشعبية كان حاضرا في قصة (نوافذ مشرعة )
” مساء هذا اليوم التف الحنين حول قلبي كقشعريرة باردة، وشعرت بالدموع تموج داخل أحداقي دون ان تنسكب، وسمعت جوقة من الأصوات الطفولية تركض بانشراح في مخيلتي وأنا أزور حارتي”
البطل يضج بالحنين في كل ثنايا القصة من شوارعها القديمة التي أصبحت مرآة تشبه ملامحه ،ويتساءل عن ـأسباب هذا الصمت الجنائزي الذي دب فيها بسبب رحيل ساكنيها إلى الأحياء الحديثة، ولكن وسط هذا الضجيج الصامت يظل صاحبا البقالة والمكتبة صامدين ليس حبًا في الانتماء للحارة، ولكن لأنهما يتنافسان حتى في تكبد الخسائر لأجل البقاء وفي هذا المشهد يرسم صورة كاريكاتورية عن بعض شخصيات الحارة التقليدية، أما العامل الآسيوي أصبح جزءًا من ذاكرة القرية، وهي ملاذه في غربته ،ولذا ظل وفيًا لها .

تصف القصة الملامح والوجوه بل حتى الجنسيات لأهل الحارة التي تغيرت وغابت عنها تلك الملامح الطيبة والبسيطة التي ارتسمت لهم في طفولته، وحتى المنازل البسيطة التراثية حاولت أن تخادع الزمن بتزيينها بمكياج الأصباغ الحديثة لتعود به رائحة المطر إلى ذكريات والده بين جدران المنزل وأزقة الحارة ويقارن بين ملامحه عندما كان في الحارة وبعد انتقاله منها وعبث الزمن والأحياء الحديثة في جسد والده، ليجد نفسه ملتصقًابذكريات طفولته يريد استعادتها من بين أنياب الزمن ليصطدم بواقع التغيرات الزمنية، وهل تمنح الأيام بقايا الطفولة المبعثرة على عتبات الجدران؟! هذا التساؤل لمحه مكتوبًا على جدار في الحارة كان اختطه في طفولته بهذه العبارة “إياك أن تهتم” بجانب ابتسامة عريضة مرسومة، ولكنه بعد هذا العمر وجد نفسه يختط عبارة جديدة “لقد حاولت ولكنني فشلت يا معلمي الكبير” تاركَا أكثر من علامة استفهام حول معلمه الكبير!

أخيرًا نايف لديه نفس روائي في قصصه ولغة عالية وخيال مجنح وأفكار يلتقطها من الزوايا المظلمة في الطرقات ويعيد كتابتها سرديًا بأفكار مدهشة تمزج بين الواقعية والسوريالية، والفنتازيا الخيالية والتساؤلات الفلسفية والرؤية الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com