ثقافة وفن

الزواجات العصرية… الشرارة الأولى للانحدار

أميمة عبد العزيز زاهد

لم يكن المجتمع العربي بمنأى عن رياح التغيير، لكن ما حدث في السنوات الأخيرة تجاوز حدود التطور الطبيعي، وامتد ليهزّ أعمق علاقة عرفتها البشرية: الزواج. فمنذ أن دخلت المسميات العصرية إلى قاموس العلاقات، بدأت القداسة تتراجع خطوة بعد أخرى، وبدأت ملامح الارتباط تُطمس تحت دعاوى المرونة والحداثة والواقع الجديد.

ظهر “المسيار” أولًا، ثم “المسفار” و“المصياف”، وتبعتها مسميات لا تقل غرابة: زواج النهاري، زواج الوناسة، وزواج الخميس والجمعة. وكلها كانت ترتدي عباءة “الحل الشرعي”، لكنها في حقيقتها قائمة على التنازل لا الشراكة، وعلى مصلحة وقتية لا عهد حياة. ولم تلبث هذه الصيغ أن تحولت من حالات فردية إلى موجة تُناقش بجرأة، حتى صارت عند بعض الفئات خيارًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا، لا علاقة تُبنى على السكينة والمودة.

ثم جاءت موجة أكثر جرأة: الزواج الصيفي أو الموسمي. عقد يبدأ مع الإجازة وينتهي بانتهائها، وكأن الزوجة جزء من برنامج سياحي، لا شريكة عمر. بل إن بعض هذه الزيجات تُجدد مقابل مبلغ أعلى إذا انسجم الطرفان، في مشهد يختزل فيه الزواج إلى اشتراك مؤقت يمدد حسب الطلب.

هذه المسميات لم تسقط من السماء فجأة، بل جاءت نتيجة عوامل تراكمت:
غياب الوازع الديني، الفراغ العاطفي، ضعف الرقابة الأسرية، الانبهار بالمظاهر، وتأثير الإعلام الذي جعل الحب مشهدًا، والزواج فكرة يتم التفاوض عليها لا قيمة تُصان.

أما المرأة التي تقبل أن تكون جزءًا من هذه الصيغ، فتمثل الوجه الآخر للمأساة. إذ تتنازل عن حقها في السكن والنفقة والاحترام العاطفي، وتدخل علاقة تعلم مسبقًا أنها ستنتهي. علاقة بلا استدامة، وبلا حماية، وبلا أي شعور بالطمأنينة التي وُجد الزواج لأجلها.

ومع الوقت، لم يعد المجتمع يستنكر هذه الأنماط بقدر ما يحاول تبريرها. يُقال: “العبرة بالشروط”، وكأن الميثاق الغليظ مجرد ورقة لا روح لها.

وهكذا كانت الزواجات العصرية الشرارة الأولى للانحدار؛ بداية تشوّه فتح الباب أمام موجات أكثر خطورة ستأتي لاحقًا.

وما ظهر بعد هذه المسميات كان أشد وطأة… زواج يُعقد بكبسة زر ويُلغى بالأخرى، وعلاقات لا تتجاوز شاشة الهاتف.
وإلى هذه المرحلة الجديدة من التشوّه سنتوقف في الأسبوع المقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com