التصالح مع الذات

عيد جريس
هل الإنسان بحاجة لأن يتصالح مع ذاته؟
يسعى الإنسان دائمًا، حين يصل إلى مرحلة من الوعي والإدراك، لأن يكون متوازنًا في حياته وعلاقاته. ولا يتحقق ذلك إلا حين يكون في تصالح مع ذاته، التي هي المنطلق في تعامله مع مجتمعه. فنراه يبادر إلى بناء علاقاته المجتمعية، وتدعيم قدراته الذاتية، وتطوير مهاراته الكامنة، سعيًا منه للوصول إلى ذلك التوازن المنشود، الذي يهدف من ورائه إلى تحقيق الطمأنينة النفسية، والرضا الوجداني، وتعزيز النضج العقلي، والتفكير المعرفي.
ولكي يقف المرء متوازنًا، فلا تميل به رياح التقلبات الداخلية والخارجية، ولا انعطافات الحياة المفاجئة، ولا تداهمه نوبات المزاج والرغبة؛ عليه أن يكون متصالحًا مع ذاته، مدركًا للمتغيرات، وتباين القدرات، واختلاف الفرص.
فالرؤية المتوازنة للحياة، هي انعكاس لرؤيتنا المتوازنة لذواتنا، وقبول المتغيرات الطارئة، والقدرة على التعامل والتكيف معها. مما يقلل من الخسائر الناتجة عن ردة الفعل الصادمة التي قد تخلق ندوبًا من القلق والتوتر والاضطراب. وستبقى تلك الندوب حاضرة معنا أمام كل مشكلة.
إن التصالح مع الذات سلوك نفسي واعٍ، يهدف إلى تقبُّل النفس كما هي: بمحاسنها وعيوبها، بمزاياها ومثالبها، وبمعرفة نقاط ضعفها وقوتها. وهو يحقق للمرء العيش بسلام، وتحرير النفس من صراعاتها وتقلباتها، والنجاح في مواجهة الضغوط.
كثير من العوائق التي تعترض أحدنا في مشواره في الحياة مردُّها إلى جهله بذاته، وعدم تصالحه معها، ومن ثم عدم قدرته على تجاوز تلك العوائق بسهولة. وكذلك النظر إلى المجتمع بوصفه مرآة لكل ما نقوم به؛ كل ذلك يُعتبر حِملًا ثقيلًا على قراراتنا وحادًّا لانطلاقاتنا.
إن امتلاك القدرة على النظر إلى داخلك ببصيرة، وإلى طبيعة نفسك بإدراك، بعيدًا عن المبالغة في تقييمها، أو إطلاق الأحكام المضادة لطبيعتها لهو مهارة نادرة تحقق لك احترام ذاتك وحسن التعامل معها بقبول وفهم جيد لمكنوناتها، حتى تقف بصورة لا تحمل أي شائبة على دقائق مشاعرها وسلوكها.
إن السماح لمشاعرك بالظهور دون مبالغة، والاعتراف بما يعتريها من حالات الحزن والضعف، وتقبُّل كل ذلك دون إنكار؛ هو بداية لفهم ذاتك، والتصالح معها، وتمهيدًا لطريق يكون أكثر صفاءً ووضوحًا لتحقيق أهدافك.
من أكثر الأمور التي تجعل النفس عاجزة عن التقدم هو إنكار الفشل، وعدم الاعتراف به، أو الخوف منه. فالفشل ليس نهاية الطريق، بل قد يكون هو الجزء الأهم للانطلاقة الصحيحة نحو النجاح؛ فلا نجاح غالبًا بلا فشل أو أخطاء.
ومن الأمور التي تعيق تقدمنا: السعي للمثالية الكاملة، التي تُسفِّه كل عمل نقوم به، وتضعه دائمًا في ميزان المقارنات، والتوقعات غير الواقعية. حينها تنشأ توقعات الفشل، والخوف المحتمل، ثم يتبعها التردد والحيرة والتراجع. فالناقد الداخلي صوت ضابط لتصرفاتنا، وما يصدر عنا من سلوكيات وأفكار وتفاعلات مع محيطنا. وهو أمر جيد، ولكن، عند تضخمه وهيمنته ينقلب إلى مُثبِّط لكل خططنا وأهدافنا المرسومة.
عندما ننجح في تقبُّل ذواتنا، والتصالح معها، وتقبُّل ماضينا بوعي، وحاضرنا بفهم، ومستقبلنا بتفاؤل؛ تتغير حينها طريقة تفكيرنا ونظرتنا لأنفسنا وللحياة، ونمتلك القدرة على مواجهة التحديات، دون خوف أو صدمات مؤثرة، تُلْحق الأذى بنفوسنا، وتجعلنا عُرضة للمشكلات والتقلبات النفسية التي قد تحكم قبضتها علينا، فتكون جزءًا من تكويننا وصياغة شخصيتنا عند عدم مواجهتها أو علاجها.



