بيت بلا شهود

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
لم يكن البيت مهجورًا بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنه كان فارغًا من الأصوات التي تعلّمت الجدران الإصغاء إليها. كل شيء فيه في مكانه، كما لو أن ساكنيه خرجوا لشراء الخبز وتأخروا سنوات. الباب الخشبي ما زال يئن بالطريقة نفسها حين يُفتح، والنافذة المطلة على الحديقة الخلفية لم تُغلق بإحكام قط، كأنها تنتظر يدًا تعرف زاويتها الصحيحة.
عادت سلمى بعد غياب اثني عشر عامًا. لم يكن في نيتها البقاء طويلًا. قالت ذلك لنفسها بوضوح وهي تدير المفتاح في القفل: ليلة واحدة، ترتيب سريع، ثم تعود إلى حياتها التي رتّبتها بعناية كي لا تترك فراغًا يسمح للذاكرة بالدخول.
لكن البيت، منذ اللحظة الأولى، لم يعاملها كزائرة.
في الردهة، اصطدمت قدمها بالسجادة الصغيرة نفسها. لم تتغير. انحنت تلقائيًا وعدّلت طرفها، كما كانت تفعل أمها، ثم توقفت. ابتسمت ابتسامة قصيرة، خالية من الفرح، كأنها اعتذار متأخر. هنا، في هذا البيت، كانت الحركات تسبق التفكير.
وضعت حقيبتها قرب الدرج، ولم تصعد. لم تكن مستعدة بعد لمواجهة الطابق العلوي. هناك الغرف التي تعرف أسماءها أكثر مما تعرف أسماء المدن التي عاشت فيها لاحقًا. اختارت المطبخ. دائمًا تبدأ منه، كأنه أكثر الأماكن حيادًا.
المطبخ نظيف على نحو غريب. الصحون في الخزانة، الأكواب مصطفّة، والموقد خالٍ. فقط ساعة الحائط توقفت عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة. لم تحاول إصلاحها. بعض الأشياء، حين تتوقف، تفعل ذلك لأنها انتهت.
جلست على الكرسي القريب من النافذة. الكرسي نفسه الذي كان والدها يرفض تغييره رغم اهترائه. قالت له مرة إن شراء واحد جديد لن يغيّر شيئًا، فأجابها دون أن ينظر إليها:
– بالضبط.
فتحت النافذة قليلًا. دخل هواء بارد يحمل رائحة التراب الرطب. الحديقة لم تعد مرتّبة. الأعشاب نمت بلا إذن، والشجرة التي زرعتها مع أخيها مالت قليلًا، لكنها لم تسقط. شعرت بشيء يشبه الطمأنينة. ليس لأن الشجرة صمدت، بل لأنها تغيّرت.
في المساء، أضاءت مصباحًا واحدًا فقط. لم تحتج أكثر. الضوء القليل يجعل الأشياء أقل قسوة. جلست في غرفة الجلوس، حيث الأريكة المغطاة بقماش داكن، والطاولة التي تحمل خدشًا طوليًا لم تُفلح محاولاتهم في إخفائه. تتذكر كيف حدث ذلك، لكنها لا ترى فائدة من استعادته كاملًا. الذكريات، حين تُسحب من أطرافها، تفقد حدّتها.
لم يكن هناك أحد يراقبها، ومع ذلك شعرت بأنها مطالبة بالتصرّف كما ينبغي. البيت بلا شهود، لكن له ذاكرة. وهي تعرف أن الذاكرة لا تحتاج إلى عيون.
في الليل، صعدت أخيرًا. درجتان تئنّان، الثالثة صامتة، الرابعة أخطرهن. تجاوزتهن ببطء. في نهاية الممر، غرفتها. الباب مغلق. لم تغيّر المقبض. لم تجرؤ.
اختارت الغرفة الصغيرة في آخر الممر، غرفة الضيوف التي لم يستخدمها أحد إلا نادرًا. فتحت الباب، أشعلت المصباح، وجلست على السرير. الغرفة بلا تاريخ تقريبًا، وهذا ما جعلها محتملة.
تمدّدت وهي بكامل ملابسها. لم تحلم. أو ربما حلمت، لكن بلا صور. فقط إحساس ثقيل، كأنها كانت مستيقظة داخل نومها.
في الصباح، استيقظت باكرًا. الضوء كان مختلفًا. دخل من زوايا لم تنتبه لها من قبل. نزلت إلى المطبخ، أعدّت قهوتها في الإبريق القديم. الطعم لم يكن جيدًا، لكنه مألوف. شربته ببطء، واقفة، كما كانت تفعل حين تكون على عجلة.
بعدها بدأت الترتيب. فتحت الأدراج، قلبت الأوراق، قرأت رسائل قديمة دون تركيز. بعضها لم تعد تفهمه، وبعضها فهمته أكثر مما يجب. لم تبكِ. لم تشعر بالحاجة. البكاء يحتاج إلى شاهد أيضًا.
حين وصلت إلى غرفة والديها، توقفت طويلًا. السرير مرتب. الخزانة مغلقة. كل شيء يوحي بأن الغياب كان منظمًا. جلست على حافة السرير. لم تتذكر آخر مرة جلست هنا. ربما لم تفعل قط.
فهمت فجأة سبب عودتها. لم يكن من أجل البيع، ولا من أجل الذكريات. عادت لتتأكد أن ما حدث فعلًا حدث. أن حياتها الحالية لم تُبنَ على وهم. أن هذا البيت كان موجودًا، وأنها كانت شخصًا آخر هنا.
قبل المغادرة، أغلقت النوافذ، أطفأت الأنوار، ووقفت عند الباب لحظة أطول من اللازم. لم تقل وداعًا. البيوت لا تفهم الوداع.
أغلقت الباب خلفها، وسارت في الطريق دون أن تلتفت.
البيت بقي. بلا شهود.
لكنه، وحده، يعرف القصة كاملة.



