ساعةُ العملِ الإضافي

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
كان اسمُه سِراد؛ اسمًا لا يُستعمَل كثيرًا، ولا يُشبه الضجيج الذي يملأ المكان الذي يعمل فيه، لكنّه حمله كما حمل أشياء كثيرة لم يخترها.
في الساعة الخامسة وخمسٍ وخمسين دقيقة، كان قد جمع أوراقه، وأغلق الدرج، وألقى نظرةً سريعة على الساعة المعلّقة فوق الباب. خمسُ دقائق فقط تفصله عن الخروج، عن الهواء، عن المساء الذي ينتظره بلا أسئلة.
غير أنّ الصوت جاء من خلفه، هادئًا وحاسمًا في آنٍ واحد:
— سِراد، هل يمكنك البقاء ساعةً إضافيّة؟ هناك عملٌ طارئ.
لم يلتفت.
لم يسأل عن طبيعة الطارئ.
أجاب بصوتٍ خافت:
— نعم.
جلس من جديد، وكأنّ جسده يعرف الطريق إلى الكرسي أكثر مما يعرف طريقه إلى البيت.
وُضعت أمامه ملفاتٌ متراكمة، أوراق قديمة، تواريخ مؤجَّلة، وأخطاء لم يكن مسؤولًا عنها. بدأ العمل دون تبرّمٍ ظاهر، فقد تعلّم مع الوقت أنّ الاعتراض لا يُنقِص التعب، بل يزيده.
كان المكتب في تلك الساعة أشبه بمكانٍ منسيّ؛ صمتٌ ثقيل، ونورٌ أبيض لا يرحم، وصوت المكيّف يملأ الفراغ. خارج النافذة، كانت المدينة تمضي في حياتها، بينما هو عالقٌ في ساعةٍ لا تشبهه.
في السادسة والنصف، انقطعت الكهرباء فجأة. سكن المكان، وساد ظلامٌ قصير، لكنه كان كافيًا ليشعر سِراد براحةٍ غريبة، كأنّ الظلام أوقف الزمن لحظةً من أجله. لم تدم اللحظة طويلًا، عاد الضوء، وعاد معه الواجب.
نهض ليعيد تشغيل الحاسوب، فلاحظ رجلًا مسنًّا يقف في الممر، يحمل أوراقًا بيدٍ مرتجفة، ويتلفّت بحيرة.
اقترب منه وسأله:
— هل أستطيع مساعدتك؟
قال الرجل بصوتٍ متهدّج:
— قيل لي إنّ عليّ الحضور اليوم، لكنّي أخشى أنّ الوقت قد فات.
نظر سِراد إلى ساعته؛ كانت تقترب من السابعة.
كان يستطيع أن يعتذر، أن يقول إنّ الدوام قد انتهى، لكن شيئًا في ملامح الرجل منعه.
— تفضّل، لعلّنا نُنجز الأمر سريعًا.
جلس الرجل أمامه، وبدأ يروي قصّته: معاملة متوقّفة، مراجعات لا تنتهي، وأبواب تُغلَق في وجهه كلّ مرّة. كان سِراد يستمع، لا بصفته موظفًا، بل بصفته إنسانًا يرى انعكاس مستقبله في وجهٍ متعب.
أنجز المعاملة في دقائق قليلة.
نهض الرجل، وقال قبل أن يغادر:
— جزاك الله خيرًا… يبدو أنّك متعب.
ابتسم سِراد ابتسامةً باهتة، وقال:
— قليلًا.
عاد إلى مكتبه. كان المكان قد خلا تقريبًا. أغلق ما بقي من الملفات، دون أن يُكمِلها كلّها، وللمرّة الأولى لم يشعر بالذنب. أطفأ الحاسوب، وأغلق الضوء، ووقف لحظةً عند الباب، كأنّه يودّع ساعةً لن تعود.
في الخارج، كان المساء ممتدًّا، حيًّا، غير مكترث بساعته الإضافيّة. تنفّس بعمق، وشعر بأنّ هذه الساعة، على غير العادة، لم تكن فارغة تمامًا.
نظر إلى ساعته: السابعة وعشر دقائق.
قال في نفسه، بصوتٍ لا يسمعه أحد:
«ليست كلّ ساعةٍ إضافيّة خسارة،
لكنّ الخسارة أن تتحوّل إلى حياة.»
ثم مضى، بخطى هادئة، كمن سمح لنفسه أخيرًا أن يتأخّر قليلًا… عن العمل، ويقترب أكثر من ذاته.



