متابعات أدبية ولد صندلة .. حين تصنع القسوة رجلا؟

بقلم الروائية: عائشة بنور
ليست بعض الروايات مجرّد حكايات تُروى، بل مرايا نرى فيها وجوه الطفولة حين تكسر، من هذا الأفق المؤلم تنطلق رواية « ولد صندلة » للروائي السعودي محمد محسن الغامدي. لتقدّم نصًا مشغولًا بأسئلة الهوية، وبالعلاقة المعقّدة بين الأب والابن، وبالتحوّلات العميقة التي تصنع الإنسان في المجتمعات الهامشية.
بين سطوة الأب «صالح السحيري» وحنان الأم، يقف طفل صغير أمام مخلوقين متناقضين يصنعان ملامح شخصيته الأولى، وهو يبحث عن ذاته بين القسوة والاحتواء فتتشكل شخصية مأزومة تبحث عن كرامتها وهويتها.
في قرية «جبل السحير» تعود ذكريات الطفولة للفتى الذي نُسب إلى أمه ” صندلة بنت عزيز” فصار يُنادى بـ «جمعان ولد صندلة»، الاسم الذي يلاحقه بين أطفال القرية، بينما يتباهى الأب بابنيه الآخرين: “رغدان” الذي انسلخ من بداوته وصار أميرًا في جماعة دعوية، و”سمحي” الذي وجد “الهداية” في كنف أخيه وفي قرية تبشّر بأسلوب حياة جديد.
تتراكم عقد الطفولة، وذكريات الرعب من تهديدات الأب “صالح” التي وضعته في “قفص الخوف ”، وتتجلّى العوارض النفسية من التبول الليلي إلى محاولة إثبات الرجولة. ترافقه الحكايات والأساطير حتى وهو في جـدة، رغم تفوقه الدراسي في قسم المحاسبة. تتطوّر حياة “جمعان” مع النجاح ودخول “تهاني” إلى عالمه الخاص، غير أن السؤال الأخير يظلّ معلّقًا في داخله: ترى من كنتَ يا أبي؟ “كأنه يريد أن يثبت له أن الطفل الذي كان يسخر منه صار رجلًا متفوّقًا.”
رواية «ولد صندلة» للروائي السعودي محمد محسن الغامدي عمل سردي واقعي– اجتماعي يرصد تحوّلات المجتمع القروي في جنوب السعودية من خلال سيرة فتى فقير ينشأ في بيئة هامشية قاسية. تتابع الرواية رحلته من الطفولة إلى الشباب، كاشفةً معاناته مع الفقر والحرمان ونظرة المجتمع القاسية، وصراعه من أجل إثبات ذاته والبحث عن كرامته الإنسانية. كما ترصد الانتقال من حياة القرية البسيطة إلى عالم المدينة بما يحمله من صدمات واختبارات أخلاقية ونفسية في جوهرها.
هي حكاية عن الهامش والهوية والطبقية، وعن الإنسان حين يُدفَع إلى مواجهة قدره في مجتمع سريع التغيّر، بلغة سردية شفافة تمزج بين الواقعية والبعد الإنساني العميق. إذ تقدّم الرواية معالجة إنسانية مؤثّرة لعلاقة الأب القاسي بابنه، وتنجح في تصوير أثر القهر التربوي في تشكّل الشخصية والهوية. قوّتها الأساسية تكمن في التحليل النفسي والصدق الواقعي بلغة هادئة شفافة تخدم الجو العاطفي للنص مستندة على الموروث الشعبي وتوظيفه لإضفاء صبغة جمالية تتخلل السرد الروائي، كما يجعلها أقرب إلى سيرة نفسية منها إلى رواية متعددة الطبقات.
وتبقى «ولد صندلة» عملًا روائيًا مهمًا من حيث المعالجة النفسية والانشغال التربوي التقليدي، وبأسلوب لغوي متماسك يستفز القارئ للتفكير في بنى المجتمع وقيمه. غير أنها قد لا ترضي من ينتظر حبكة متشعبة أو تعدّدًا في مسارات الصراع، إذ تظل مركّزة على العلاقة المركزية بين الأب والابن، وهو ما يُعدّ في آنٍ واحد نقطة قوّة من حيث التركيز النفسي.
“ولد صندلة” ليست مجرد حكاية طفولة، تخلد ذكريات الصبا في جبل السحير ومهداة إلى ابن العم عبد الله سعيد، بل سؤال مفتوح عن الهوية، وعن الانسان حين يصنع نفسه من القهر الاجتماعي، فهنيئا للقارئ العربي بهذا العمل الجاد.



