ثقافة وفن

ممر ودعاء

هيفاء نورالدين

قصة قصيرة

في الممر الطويل للمستشفى، الممر طويل أكثر مما يجب، أو ربما يبدو كذلك لأن الوقت فيه يمشي ببطء شديد.

الجدران بيضاء، بياضها حاد كأنه يذكّرك طوال الوقت أنك في مكان لا يحتمل الألوان. رائحة المطهرات تملأ الهواء، رائحة لا تشبه شيئاً في الحياة العادية، لكنها تصبح فجأة جزءاً من ذاكرتك.

جلستُ على مقعد بلاستيكي بارد. المقعد نفسه بدا وكأنه تعب من حمل القلق الذي يضعه الناس عليه كل يوم. أمامي باب غرفة الطوارئ، باب يُفتح ويُغلق كثيراً، لكنه لا يفتح أبداً بالسرعة التي نريدها.
على يميني امرأة في الستين تقريباً. شعرها الرمادي ينسدل من تحت حجاب بسيط، وفي يدها مسبحة تتحرك بين أصابعها بسرعة. لا ترفع رأسها كثيراً، لكنها كلما سمعت صوت خطوات في الممر، تتوقف حبات المسبحة لحظة، ثم تعود إلى الدوران.

سمعتها مرة تهمس:
“يا رب… يا رب.”
ليس دعاءً طويلاً، فقط كلمتان، لكنها قالتها كما لو أن حياتها كلها معلقة بينهما.
في الطرف الآخر من الممر، شاب في الثلاثين تقريباً يمشي ذهاباً وإياباً. يفتح هاتفه كل دقيقة، ثم يقف عند النافذة الصغيرة في آخر الممر. حاول أن يبدو هادئاً عندما اتصل بوالدته:
“لا تقلقي يا أمي… الطبيب قال إن الأمر بسيط.”
لكن يده التي كانت تمسك الهاتف كانت ترتجف قليلاً.

مرّت ممرضة بعربة معدنية صغيرة. صوت العجلات على الأرض اللامعة كان واضحاً في ذلك الصمت الغريب الذي يملأ المكان. في المستشفيات، حتى الأصوات الصغيرة تبدو كبيرة.
على بعد عدة مقاعد، كانت فتاة صغيرة تضع رأسها على كتف أبيها. لم تكن تبكي، لكنها كانت تنظر إلى الباب نفسه الذي ننظر إليه جميعاً، وكأنها تعلم أن خلفه شيئاً مهماً يحدث.
الممر يعرف هذا المشهد جيداً.

كل يوم تمر به وجوه مختلفة… لكن القلق هو نفسه.
هنا لا أحد يسأل الآخر: من أنت؟
لا أحد يهتم إن كنت غنياً أو فقيراً، موظفاً أو عاطلاً.
الجميع يحمل الشيء نفسه في قلبه: خوف صغير، وأمل صغير أيضاً.
مرّت ساعة… أو ربما أكثر. في الممرات الطويلة للمستشفيات يفقد الوقت شكله المعتاد. الدقائق تتمدد كأنها لا تريد أن تنتهي.
ثم فُتح الباب أخيراً.

خرج الطبيب بوجه هادئ.
وقفنا تقريباً في اللحظة نفسها، كأن خيطاً خفياً رفعنا جميعاً من مقاعدنا. حتى المرأة العجوز توقفت مسبحتها في منتصف الحركة.
قال الطبيب شيئاً قصيراً، جملة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لأن تتنفس بعض القلوب من جديد.
عادت المسبحة إلى الدوران، لكن هذه المرة ببطء أكثر.
جلس الشاب أخيراً على المقعد بعد أن أغلق هاتفه.
والفتاة الصغيرة ابتسمت عندما قال لها والدها:
“الحمد لله.”

في ذلك الممر الطويل فهمت شيئاً بسيطاً عن الحياة.
نحن نظن أننا نعيش لأشياء كثيرة: العمل، المال، الخطط، والمستقبل…
لكن في لحظات مثل هذه، يتضح الأمر فجأة.
كل ما نريده حقاً…
أن يخرج الطبيب من الباب، ويقول لنا بهدوء: “الأمور بخير.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com