كل شيء كُتب… فكيف تكتب شيئًا جديدًا

بقلم: عادل النعمي
سأجيب على سؤال دار عبر قرون عن هندسة الخيال وفن اختراع المعنى!
في زمنٍ تبدو فيه أن كل شيء كتب، وفقدنا الفرصة للأبداع، وجف نبع الخيال الخصب، أقدم لك في هذا الورقة كحلول سحرية لتعيد لخيالك عظمته!
(لأن الحقيقة الأزلية: الخيال لا يبدأ من الصفر؛ إنه يبدأ من حيث انتهى الآخرون.
السؤال المركزي لهذه الورقة: كيف نتعلّم أن نتخيّل بذكاء في زمن يفيض بالنصوص؟ عبر تقينات تصبح في حوزتنا وتسهل علينا عملية التخيل…!
هنا تبدأ الحكاية: من أول لبنة في بناء الخيال على الخيال، نقترض معنى ونغير أصله!
يستدعي من التراث أشكالًا درامية، أو أنماطًا رمزية، أو ظلالًا سردية مستقرة في المخيال الجمعي، ثم يعيد تفكيكها وإعادة تركيبها داخل سياق جديد يبدّل وظيفتها ومعناها.
بدأ الشاعر الجاهلي (امرؤ القيس مثلاً) برؤية الأطلال كبقايا مادية (نوى، رماد، دمن)…
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول وحومل
الخيال هنا ارتبط بالذاكرة الحسية، ثم أتى بعده بقرون الشاعر إبراهيم ناجي في قصيدة الأطلال وبنى خيال على خيال ولكن بشكل مختلف لم يكن خيالاً ماديا بل معنوياً:
يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. كان صرحاً من خيال فهوى.
لقد استعار ناجي فكرة الأطلال المجردة من الموروث ثم حولها إلى معنى السقوط والضياع!
هذا ليس تكراراً للمحتوى، بل إعادة هندسة للمخطط الدرامي الأصلي في سياق جديد )تحويل الحسي إلى معنوي).
مثال واضح في فن الرواية: في الثلاثية, بنى نجيب محفوظ شخصية، السيد أحمد عبد الجواد: لتمثل النموذج البطريقي وهو الذي يمثل صرامة النظام الاجتماعي المصري وتحولاته… ثم أتى جمال الغيطاني، في ـ رواية : (كتاب التجليات وكذلك متون الأهرام ) بصفته تلميذاً مهندساً، لم يكرر هذه الشخصية، بل استعار ظلها السردي التي تأخذ سطوة الهيبة، هنا الغيطاني لم يسرق الشخصية، بل استعار (هندستها) ليبني بها بيتاً جديداً، يسكنه القلق والضياع.
اللبنة الثانية (في بناء الخيال على الخيال) هي الإدراك الاستعاري…
حين يصف شاعر الليل بأنه حبر، أو البحر بأنه مرآة، فهو لا ينتج صورة جديدة فحسب، بل يفعل ذاكرة صور أخرى زرعتها القراءة السابقة، هنا تتراكم الخيالات فوق بعضها إلى أن تنشأ كتلة رمزية معقدة يشتغل عليها القارئ بوصفه فاعلاً تأويلياً وليس مجرد متلق.
في بيت المتنبي الشهير : الليل والخيل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
بناء الخيال على مستويين متراكبين
يعمل الخيال عند المتنبي وفق بنية طبقية، لا تتوقف عند حدّ التشخيص السطحي، بل تمتد إلى تأسيس دلالي مزدوج… ففي المستوى الأول، لا يكتفي الشاعر بأن يجعل الليل والخيل والبيداء شهودًا على حضوره، بل يستدعي خلفها رصيدًا ثقافيًا راسخًا في الوعي العربي؛ حيث يغدو الليل فضاءً للتيه والاختبار، والخيل رمزًا للسيادة والاندفاع، والبيداء مختبرًا تُمحَّص فيه البطولة. هذه هي اللبنة الأولى: خيال مؤسَّس على مخيال جمعي متوارث.
ثم تتولد من هذه القاعدة طبقة ثانية، هي طبقة الإدراك الاستعاري، بعد أن تكون الدلالة الأولى قد ترسخت في ذهن المتلقي… عند هذه العتبة، ينتقل المتنبي من الاستدعاء إلى التشييد، فيقيم فوق البنية الأولى بناءً أعمق، يُعيد فيه ترتيب العلاقة بين الشاعر والعالم من حوله… فالليل لم يعد زمنًا يُعاش، بل شاهدًا على المغامرة؛ والخيل لم تعد وسيلة، بل ذاكرة حيّة لسطوته؛ والبيداء لم تعد مكانًا، بل مجال سيادة يختبر فيه حدوده ويتجاوزها.
ومن هنا تتكثف العبارة إلى ما يشبه الإقرار الضمني: سلوا الليل العارف بخفايا اقتحاماته، والخيل التي تحفظ اندفاعه وسلطته، والبيداء التي خبرت خطواته في التيه.
لا يُحال الخطاب إلى الذات مباشرة، بل يُلقى على الأشياء التي تشهد له، حتى السيف والرمح لا يردان بوصفهما أدوات، بل ككيانات اختبرت الحرب واحتفظت بأثرها.
بهذا المعنى، يغدو التشخيص أعمق من مجرد بلاغة بيانية؛ إنه نقل للمعرفة من مستوى القول إلى مستوى البداهة! فحين يُستَنطق الجماد، لا يكون ذلك ادعاءً، بل إعلانًا ضمنيًا بأن الحقيقة بلغت من الرسوخ حدًّا يجعل الأشياء نفسها قادرة على النطق بها. هنا تتحول الصورة من توصيف إلى برهان، ومن مجاز إلى يقين متجسّد.
كذلك في رواية ساق البامبو، لا يبني السنعوسي خياله على واقع اجتماعي مجرد، بل يستعير (صورة نمطية) يقدم في المخيال العربي، ثم يعيد صياغتها عبر تحويل (النبتة إلى هوية).
الخيال هنا مكون من طبقتين: يُبني على مرحلتين المرحلة الأولى الفكرة الخام المقدمة ولها دلالتها ثم بناء
فكرة أخرى فوقها بدلالة ثانية: نبتة تدل على أسيا ثم تصبح هذه النبتة تعبير عن الهوية!
الخيال هنا يبدأ من نبتة بامبو؛ وهي في جمعية الذاكرة رمز للشرق الآسيوي، نبتة تتميز بالمرونة المفصلة على الانغراس في أي أرض.
هذه هي البنية الأولى: التي تشبه (البيداء والخيل) عند المتنبي؛ أي رمز في حالة الخام.
تأتي الطبقة الثانية في البناء الخيالي بهذا الأسلوب: هنا يتدخل السنعوسي هو لا يصف النبتة كعنصر طبيعي، بل تحويلها إلى استعارة كبيرة (استعارة ممتدة) هو يصف الهجين (عيسى/خوزيه) أنه مثل البامبو شجرة تستطيع أن تزرع في أي أرض غير أرضها وبالتالي فالبامبو هنا ستتوقف عن الظهور كنبتة ، وأصبحت دالاً رمزياً على التشظي الثقافي.
اللبنة الثالثة (في بناء الخيال على الخيال) هي التكرار التحويلي!
كثير من الأعمال الأدبية تُبنى على بنى سردية مألوفة: التراجيديا، رحلة البطل، صدمة الحب، الفقد، العودة المستحيلة.
هذه البنى لا تعمل كقوالب ثابتة بل كإشارات تخييلية تسمح للقارئ بفهم مسار النص، لكن الكاتب الجيد لا يكتفي باستعمالها بل يحورها ويشوّهها ويقلبها رأساً على عقب.
التكرار هنا لا يعني النسخ وإنما الاختلاف، تزداد قوة النص حين يحس المتلقي بأنه على معرفة بالنموذج لكنه في الوقت ذاته عاجز عن توقع مآلاته.
مثال واضح على التكرار التحويلي في الشعر العربي الحديث نجده عند بدر شاكر السياب في قصيدته الشهيرة أنشودة المطر.
أتعلمين أي حزن يبعث المطر وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر
هنا، السياب يستخدم نموذج الطبيعة الحزينة ـ الذي تكرر في الشعر الكلاسيكي كمرآة لحالة نفسية أو عاطفية – لكنه يحوّره: المطر يصبح دليلاً على الخراب التاريخي والاجتماعي، والمزاريب تنشج كأنها تبكي فقد الأمة بأكملها، وليس مجرد فقد شخصي.
النتيجة هي تكرار تحويلي: القارئ يشعر بأنه يعرف النموذج – المطر والحزن، الأطلال والحنين – لكنه عاجز عن توقع كيفية تحويل هذه الصورة لتصبح سرداً جديداً، ثقيلاً بالرمزية والبعد الاجتماعي والسياسي.
كذلك ينطبق هذا المثال على رواية فرانكشتاين في بغداد للكاتب العراقي أحمد سعداوي الفائزة بالبوكر عام 2014
في هذه الرواية، نحن أمام تكرار تحويلي بامتياز فالرواية الأصل هي للكاتب الإنجليزية ماري شيلي وهي كاتبة انجليزية صدرت روايتها 1818م.
ماذا صنع السعداوي، مارس تشويهاً إبداعياً يقلب دلالته رأساً على عقب.
في النموذج الأصلي للكتابة الإنجليزية في حكاية الرواية تدور حول عالم شاب يدعى فيكتور فرانكشتاين ناجح في تقديم الحياة لكائن ضخم جمعه من أشلاء جثث بشري عبر التجربة العلمية (تعتمد على الكهرباء والكيمياء).
وهي ليست قصة رعب انتقامي، بل هي دراسة في الطموح البشري المدمر ؛ حيث يتخلى (العالم الشاب) عن تجربته (المسخ) الذي يصبح في تحوله الأخير من كائن بريء يسأل عن الحب… للوحش مدمر يطلب الانتقام بسبب العزلة والرفض.
القارئ يدخل النص وهو يمتلك أفق توقعي مبني على رواية ماري شيلي: عالم مجنون، ومسخ يمتلك العدالة، ولكنه منتقم، هذا هو التكرار الذي يمنح القارئ الصالح بالألفة مع النص.
هنا تبدأ عبقرية التكرار البديل (للسعداوي) في النسخة الأصلية، فرانكشتاين هو نتاج طموح علمي، أما عند السعداوي، فإن الشسمه (الكائن) هو نتاج خراب سياسي واجتماعي .
الكائن في بغداد يبدأ كمنتقم للضحايا، ثم يكتشف أنه لكي يعيش يحتاج إلى أشلاء جديد، فيبدأ بقتل الأبرياء.
هذا هو تكرار مختلف ؛ حيث يتم استعارة الهيكل السردي (رحلة الوحش) لإنتاج معنى نقيض الوحش هنا لا يرغب في التعبير عن الحب (كما عند ماري شيلي)، بل يمثل دورة العنف التي يحبها عند السعداوي.
تحول الدلالي هنا يسمى هذا التناص الساخر السعداوي تحويل المسخ من قضية فلسفية حول الخلق إلى استعارة سياسية عن الهوية العراقية المتشظية التي تجمعها الدماء والحروب.
اللبنة الرابعة (في بناء الخيال على الخيال) هي التوسيع التخييلي عبر اللاوعي…
الخيال لا يستعير صوراً جاهزة من الثقافة كما في الاستعارة أو من النماذج كما في التكرار التحويلي، بل يستعير موادّ نفسية خام: حلم من طفولة، خوف دفين، أسطورة عائلية، صورة غامضة عن الماضي.
الشاعر العراقي سعدي يوسف، وهو رائد في اقتناص اللحظات الهامشية وتحويلها إلى كوابيس أو أحلام يقظة نابعة من الداخل يقول ضمن مجموعته الكاملة في قصيدة تحت شباكي:
تحت شباكي بحر
بحر من العصافير التي تغرق في القطن
هنا نقرأ النص ليس من قاموس البلاغة القديم بل يسحب كصوراً من القبو النفسي نستحضر عالم جاك لاكان ليلهمنا:
بحر من العصافير: (توسيع تخييلي) هنا لا يوجد رابط منطقي أو ثقافي يجمع العصافير بالبحر، بل هو تكثيف سريالي. العصفور (رمز الخفة) يُحبس في كتلة البحر (رمز الثقل)… هذه المادة الخام هي خوف دفين من الاتساع أو الغرق في الكثرة (الخوف من الحياة الاجتماعية).
تغرق في القطن: (استعارة مادة خام) القطن في الوعي الثقافي رمز للنعومة والراحة، لكنه هنا يتحول عبر اللاوعي إلى أداة خنق!
هذا ما نسميه في النقد بانزياح الوظيفة؛ حيث تتحول الموقف العادي إلى مادة كابوسية بفعل ضغط اللاوعي.
تحت شباكي: (التموضع الزماني والمكاني) الشباك هنا ليس إطاراً للرؤية، بل هو الحد الفاصل بين الوعي واللاوعي… ما يراه الشاعر ليس خارجاً، بل هو ما يفيض من داخله ويتم عرضه على زجاج الشباك.
السؤال المركزي: ما هي الأدوات التي فكرت ثم فككت بها النص لأقرأها بهذا الوعي:
عندما رأيت (الصورة المرتدة)… في هذا البيت، علمت أن الخيال لا ينمو أفقياً (عصفور يطير)، بل ينمو عمودياً نحو الأسفل (يغرق)… هذا النمو العمودي هو سمة اللاوعي الذي يبحث دائماً عن الجذور أو القاع.
كذلك الصور ليس واضحة هناك نوع من (التهجين الصوري( … خلط (البحر + العصافير + القطن) يخلق هجيناً لا يوجد في الطبيعة ولا في الكتب، إنها أسطورة شخصية تتعلق برؤية الشاعر للعالم كفخ.
لكن الفكرة الأهم هي (اللاوعي الزمني : ( القطن قد يحيل في الذاكرة البعيدة إلى أكفان أو مخادع قديمة، مما يجعل الغرق فيه استحضاراً لفكرة الموت الصامت الذي لا ضجيج له.
المثال الروائي الأبرز لهذا الطريقة في التخيل (التوسيع التخييلي عبر اللاوعي)… بشكل أكثر تكثيفاً وجمالاً هي في رواية ليلة القدر للمغربي طاهر بن جلون التي تعاونت مع صورة كخيال منبثق من قمع الطفولة.
في رواية ليلة القدر: تناول قصة أحمد وهي فتاة مغربية أجبرها والدها على العيش في هيئة ذكر منذ ولادتها ليكون له وريث ذكر، في ظل مجتمع ذكوري لا يسمح للفتيات بالميراث الكامل.
الجسد يتحول إلى زنزانة… الخيال هنا يُبنى فوق خيال الطفولة المقموعة؛ فتصبح الرواية سلسلة من الأحلام والكوابيس التي يجب على القارئ النوعي أن يصبح محللاً نفسياً ليعيها! وهذا شرط سري للبد في قراءة هذا النوع من النصوص أما القارئ العادي فعليه أن يستثمر ذكريات طفولته… فالنص لا يكتمل إلا عندما يستعمل القارئ العادي خوفه الخاص أو ذاكرة طفولته ـ كأنه يواجه زمنه القديم المخبأة في أعماقه.
تتمثّل اللبنة الخامسة (في بناء الخيال على الخيال) في النقد فيما يُصطلح عليه بالفراغات النصية…
وهي المساحة التي افرغها المؤلف ليملأها القارئ… النص الإبداعي، في جوهره، ليس كائناً منجزاً أو مغلقاً، بل هو (بنية إمكان) لا تتحقق كينونتها جمالية إلا عبر الرسالة.
هنا يصبح القارئ هو المركز (لأنها هو من يعيد خلق الأفكار عبر تفسيرها بشكل مختلف) ـ انزياح التلقي وفعل إعادة الخلق!
نجده في شعر أدونيس، خصوصًا في قصائده التي تتناول الزمن والأسطورة والوجود، ففي ديوانه أغاني مهيار، يقول في نصه:
الليل يمد جسده على المدن
والأحلام تتفتت في الشوارع الضيقة
والأنغام القديمة تصرخ بصمت
هنا النص يخلق فضاءً تخييليًا مفتوحًا : القارئ شريك في البناء: الليل، الأحلام، والأنغام ليست مجرد صور، بل رموز تُفعل مخيال القارئ بحسب تجربته النفسية والثقافية.
قارئ عاش الحرب أو الطفولة المبكرة سيتفاعل مع الأحلام المتفتتة بشكل مختلف عن قارئ عاش في مدن هادئة، ما يجعل كل قراءة خيالاً جديدًا فوق خيال النص.
التعددية الدلالية: الرموز ليست أحادية المعنى، بل شبكة مفتوحة: الليل قد يكون صمت اللاوعي، المدن رمزًا للغربة أو التاريخ، والأحلام تعكس المخزون النفسي المشترك والخاص.
إعادة الخلق عبر التأويل: كل تأويل يضيف طبقة جديدة إلى النص، فلا يكتمل إلا حين يدخل القارئ في حوار داخلي مع النص.
وهذا ما يجعل أدونيس نموذجًا للقصيدة الحية التي تُعاد قراءتها دائمًا، وتعيد تشكيل خيالها من جديد.
في هذه المرحلة، تنتقل من سلطة المؤلف إلى سيادة القارئ ، ليملأ الفراغات بمخزونه الثقافي والنفسي.
المثال الأبرز لهذه الفكرة في عالم الروايات هي رواية البحث عن وليد مسعود!
في هذه الرواية، يغيب البطل (وليد مسعود) ويترك وراءه شريطاً غامضاً لا يعلم من الأصدقاء الذين يحاولون تفسير حياته. هذا النص هو اللبنة الخامسة بامتياز… انزياح التلقي وفعل إعادة الخلق جبرا إبراهيم جبرا لم يكتب سيرة وليد مسعود، بل كتب غيابه .
هذا الغياب هو الفراغ النصي الذي يُجبر القارئ على التحول من متلق سلبي إلى (مؤلف مشارك) … فهو يتعرف على الشخصيات من خلال شهادات الشخصيات وذكرياتهم ويبني القارئ رؤيته الخاصة.
بالنسبة لقارئ عسكري: وليد هو الثورة والالتزام، وبالنسبة لقارئ وجودي: وليد هو الاغتراب والضياع، (تعدد الأصوات) يجعل النص صراع لتأويلات لا تنتهي، كل قراءة هي خيال جديد فوق خيال النص.
ولكن سر التشويق الأول: (هو كسر أفق التوقع) النص هنا يكسر توقعات القارئ التقليدي الذي يستقبل نهاية الفقرة… وبكسر هذا الأفق، يجبر النص القارئ على استحضار تجاربه الشخصية (الحرب، الغربة، الحب) لترميم المدن المتفتتة داخل السرد.
رواية جبرا إبراهيم جبرا (مثل شعر أدونيس) لا تقدم وجبة معرفية جاهزة، بل تقدم مخططاً معمارياً ينقصه البناء…
خاتمة:
إن الخيال الأدبي لا ينبثق من فراغ، بل هو فعل تراكمي يبدأ من الاقتراض الذكي الذي يحيل أطلال الماضي من مادتها الحسية عند امرئ القيس إلى تجريد معنوي عند ناجي… فالمبدع المحترف لا يكرر النماذج، بل يمارس تكراراً تحويلياً يعيد هندسة الظلال السردية؛ تماماً كما استعار الغيطاني هيبة عبد الجواد ليملأها بقلق الوجود الحديث.
هذا البناء لا يكتمل إلا بـالتوسيع التخييلي، حيث تسكن المواد النفسية الخام زوايا النص، فتتحول العصافير والقطن من مفردات لغوية إلى كوابيس تسكن لاوعي الشاعر والمتلقي معاً… وهنا نكتشف أن الكاتب هو مهندس فراغات بامتياز؛ فهو لا يمنحك نصاً ناجزاً أو حقيقة مغلقة، بل يمنحك مخططاً معمارياً لبيت مسكون، ويترك لك ـ كقارئ – حرية أن تسكنه بأشباحك وذكرياتك وطفولتك.
إنها حكاية تبدأ من الإدراك الاستعاري لرموز الثقافة، وتنتهي بـسيادة القارئ الذي يعيد خلق النص من جديد؛ ففي غرفة الخيال العميقة، لا يموت المؤلف إلا لكي يولد المعنى في وعي شريكه الدائم: القارئ النوعي.



