ثقافة وفن

بين صلاتين وقلب واحد.. قصة قصيرة

هيفاء نورالدين

لم تكن تعرف متى بدأ الأمر بالضبط
هل حين سألها عن معنى كلمة قالتها بالعربية؟
أم حين ابتسم لها كأنه يعرفها منذ زمنٍ سابق للحياة؟
كان اسمه “آدم
وكانت هي تحفظ المسافات كما تحفظ صلاتها.
في البداية، كان كل شيء بريئًا.
حديثٌ عن الدراسة، عن الكتب، عن المدن التي لم يزوراها بعد.
ثم صار الحديث أطول… أعمق أخطر.
كانت تلاحظ ذلك جيدًا.
تعود إلى غرفتها، تتوضأ، تقف للصلاة
لكن شيئًا ما كان يتسلل بينها وبين الخشوع.
في السجود تحديدًا
كان وجهه يمرّ في خاطرها كدعاءٍ لا يجوز.
“هذا اختبار”، كانت تقنع نفسها.
“أو ربما ضعف عابر.
لكنه لم يكن عابرًا.
آدم لم يكن يشبهها.
في كل شيء تقريبًا.
في معتقده، في نظرته للحياة، في بساطته التي كانت تخيفها أكثر مما تطمئنها.
قال لها مرة:
“أنا لا أريد أن أغيّرك،فقط أريد أن أفهمك.
وكانت تلك الجملة أخطر من أي اعتراف بالحب.
بدأت تقسم وقتها:
نصفٌ لله… ونصفٌ تحاول فيه أن تقاومه.
لكن القلب لا يفهم القسمة.
وفي ليلةٍ هادئة، بعد صلاة طويلة
رفعت يديها وقالت:
“يا رب… إن كان هذا الطريق لا يرضيك، فاصرفه عني.
بكت كثيرًا تلك الليلة
كأنها تودّعه دون أن تخبره.
وفي اليوم التالي
لم يأتِ.
ولا اليوم الذي بعده.
ولا الذي بعده.
اختفى.
بلا رسالة، بلا تفسير، بلا وداع.
مرت الأيام ثقيلة
ثم خفّ الألم قليلًا.
ثم صار ذكره موجعًا لا أكثر.
قالت لنفسها:
“هذا هو الجواب… لقد استجاب الله.
عادت إلى صلاتها كما كانت.
بخشوعٍ أكثر… وبقلبٍ أكثر هدوءًا.
أقنعت نفسها أنها نجت.
بعد أشهر
كانت في المستشفى، تزور قريبة لها.
مرت بجانب غرفةٍ مفتوحة
ولم تكن تنوي النظر.
لكن صوتًا مألوفًا شدّها.
“آدم؟
كان هناك.
لكن ليس كما تعرفه.
شاحب الوجه
ضعيف
موصول بأجهزة لا تفهمها.
اقتربت، وقلبها يضرب كأنه يعاتبها.
“ماذا حدث؟”
نظر إليها وابتسم بنفس الهدوء القديم.
“كنت أعرف أنكِ ستأتين… يومًا ما.”
سكت قليلًا… ثم قال:
“أنا لم أختفِ.
ارتجفت: “إذًا لماذا؟
أغمض عينيه لحظة، ثم قال بهدوء:
“لأنني كنت أحتضر.
صمتت.
لم تفهم.
أكمل:
“مرض في القلب… منذ زمن. الأطباء قالوا إن الوقت قصير.”
ابتسم بخفة:
“وحين بدأت أحبك… خفت.”
“مِمَّ؟
“أن أكون سببًا في كسر قلبك… بعدي.”
سقطت دموعها دون إذن.
“فتركتِني دون أن أعرف؟!”
هزّ رأسه
“دعوتِ الله أن يصرفني عنك… أليس كذلك؟”
تجمّدت.
“كنتِ تهمسين بذلك دائمًا… كنت أسمعك أحيانًا دون أن تشعري
اقتربت أكثر، صوتها مكسور:
“هذا ليس ما أردته
قال بهدوءٍ موجع:
“لكنه ما حدث.
جلست بجانبه طويلًا.
تحدثا عن كل شيء
وكأنهما يحاولان ضغط حياة كاملة في ساعات.
وقبل أن تغادر، قالت له:
“أنا… لم أتوقف عن
قاطعها بلطف
“أعرف.
ثم أضاف، بصوتٍ أخف من أن يُحتمل:
“لكن بعض القلوب… لا يُكتب لها أن تبقى. فقط أن تُعلّمنا كيف نشعر.”
في تلك الليلة
صلّت.
بكت أكثر مما فعلت في حياتها.
ولأول مرة
لم تطلب أن يُصرف عنها.
بل قالت:
“يا رب، لماذا أخذته بعد أن أبعدته عني؟”
في الصباح
عادَت إلى المستشفى
لكن السرير
كان فارغًا.
وعلى الطاولة الصغيرة
ورقة.
فتحتها بيدٍ مرتجفة.
كان مكتوبًا فيها:
“كنتُ دعاءكِ الذي خفتِ منه
فاستُجيب لكِ مرتين:
مرة حين ابتعدتُ
ومرة حين انتهيت

يحدث أن قصة ليست للقراءة
فبراير 2021
الساعة الثانية عشر ظهرا
أدم لم يقل لي وداعا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com