كان اسمه ريان .. قصة

هيفاء نورالدين
اسمٌ خفيف، كأنه لا يعرف كيف يثقل على أحد، لكن الحياة كانت تُجيد تعليم الأسماء كيف تصبح أوزانًا.
في ليلة هادئة، لم يكن فيها ما يوحي بانكسارٍ قادم، جلس رُيان في غرفة المحكمة كمن يجلس في غرفة انتظارٍ طويلة لا تنتهي. أمامه كانت “ميرا” توقع على ورقةٍ لا تشبه الورق، بل تشبه سكينًا مغلفًا بالهدوء.
قال القاضي جملته باختصارٍ الحضانة للأم.
لم يفهم رُيان كيف يمكن لجملة واحدة أن تسحب الهواء من غرفة كاملة.
ابنه “نوح” كان يقف عند الباب ممسكًا بيد أمه. طفل صغير، بعينين كبيرتين كأنهما خُلقا لطرح الأسئلة لا للإجابات. التفت نوح نحوه، ابتسم ابتسامة عابرة، ثم اختفت الابتسامة في حركة مغادرةٍ عاديةىلكنها كانت في داخله مغادرة عمر كامل.
في الأيام التالية، صار رُيان يعيش على طقوس صغيرة: يمر أمام الحديقة في الوقت نفسه كل مساء، يقف قليلًا، ينظر إلى الممر، كأن المكان قد يخطئ ويعيد له ما أخذ.
كان يرى نوح أحيانًا من بعيد. يكبر ببطءٍ لا يرحم أحدًا. يركض يسقط، يضحك، ثم يكمل كأن الحياة لا تعرف أنه هناك رجل يتعلّم كيف يبتلع صوته كل يوم.
ذات مرة، رفع رُيان يده ليشير له، لكن طفلًا آخر أمسك يد نوح أولًا. لم ينتبه له أحد.
كانت تلك اللحظة بسيطة، لكنها أغلقت شيئًا داخله بإحكام.
حاول أن يتحدث، أن يرسل، أن يقترب من أي باب. لكن الأبواب في هذه الحكاية لم تكن تُغلق فقط… كانت تُمحى.
ومع الوقت، لم يعد يعرف إن كان ينتظر ابنه أم ينتظر نفسه القديمة قبل أن يُسحب منه كل شيء.
في مساءٍ بلا إعلان، جاءه خبر انتقال ميرا مع الطفل إلى مدينة بعيدة. لم يكن الخبر مفاجئًا بقدر ما كان نهائيًا، مثل نقطة وُضعت في آخر سطر لا يقبل الاستكمال.
خرج رُيان إلى الشارع. لم يركض خلف شيء، لأن لا شيء كان هناك ليركض نحوه.
جلس على مقعدٍ أمام مبنى قديم، ووضع كفيه على وجهه طويلًا. لم يبكِ بصوت، بل كأن الدموع قررت أن تتراجع أيضًا احترامًا للعجز.
ثم قال لنفسه بصوت منخفض: “كان لي ابن والآن لديّ ذاكرة فقط.
في تلك الليلة، لم يعد إلى مكان محدد. فقط سار، وكأن المدينة كلها ممر طويل بينه وبين باب لن يُفتح له مرة أخرى.
وخلفه، ظل اسم “نوح” يمشي في صدره بلا يدٍ يمسكها، بلا صوتٍ يرد، بلا حضنٍ يعرف الطريق إليه.



