راقصة الفلامنكو

عدنان الدوسري
قصة قصيرة
في تلك الليلة الشتوية من ليالي مدريد، كنت أمشي بلا وجهة محددة، أجر خلفي سنوات الغربة كما يجر السجين سلسلته القديمة. كانت الأزقة الحجرية تتلألأ تحت مصابيح صفراء خافتة، والبرد ينساب بين الأبنية العتيقة كعازف كمان حزين يبحث عن نغمة ضائعة.
شدني صوت التصفيق القادم من قاعة صغيرة تحمل لافتة كُتب عليها: «عرض فلامنكو الليلة». لم أكن قد دخلت قاعة كهذه من قبل، لكن شيئاً ما دفعني إلى عبور الباب.
كان المكان مكتظاً بالمتفرجين. رائحة القهوة والنبيذ تمتزج بصوت الغيتار الإسباني. جلست في زاوية بعيدة، بينما انطفأت الأضواء فجأة، ولم يبقَ سوى دائرة ضوء تتوسط الخشبة.
ظهرت هي، امرأة بثوب أحمر قانٍ يشبه لون الرمان حين ينشق في نهاية الصيف. رفعت ذقنها بثقة، وضربت الأرض بكعب حذائها ضربة أيقظت القاعة كلها.
بدأت الرقصة. كانت تدور كأنها شعلة نار، ويتطاير طرف ثوبها حولها مثل جناحي طائر جريح. ومع كل التفافة كانت عيناها تجولان بين الحضور، حتى توقفتا عندي.
لم تكن النظرة طويلة، لكنها كانت كافية. شعرت بشيء يرتجف في داخلي. لم أعد أرى الراقصة الإسبانية أمامي، بل رأيت امرأة أخرى، امرأة تركتها هناك… في بغداد.
كانت تقف على ضفة دجلة ذات مساء ربيعي، حين كانت الأشجار تلامس الماء بأغصانها، وحين كنت أظن أن العمر ما زال طويلاً بما يكفي لنؤجل الفراق.
كانت تشبهها إلى حد أربكني؛ العينان الواسعتان، والأنف الدقيق، وحتى طريقة الالتفاتة السريعة حين تشعر أن أحداً يراقبها.
لم أعد أتابع الرقصة بقدر ما كنت أتابع الذكريات وهي تنهض من ركام السنين. أما هي فكانت تظن أنني مفتون بها. كلما التقت عيناها بعيني ازداد حماسها في الرقص، وكأنها تقرأ في ملامحي إعجاب رجل غريب جاء من آخر الدنيا ليشاهدها.
لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك بكثير. كنت أبحث في وجهها عن بغداد، عن شارع الرشيد، عن مقهى قديم، وعن امرأة لم أستطع الاحتفاظ بها.
انتهت الرقصة وسط تصفيق حاد. انحنت الراقصة للحضور ثم اختفت خلف الستار، أما أنا فبقيت جالساً أحدق في الخشبة الفارغة.
بعد نحو نصف ساعة، وبينما كنت أحتسي قهوتي بصمت، شعرت بأحد يقف أمام طاولتي. رفعت رأسي، فكانت هي، لكن هذه المرة بلا الثوب الأحمر.
كانت ترتدي معطفاً أسود بسيطاً، وقد أسدلت شعرها على كتفيها. ابتسمت وجلست دون استئذان، ثم بدأت تتحدث بسرعة بالإسبانية. لم أفهم كلمة واحدة، فهززت رأسي معتذراً.
في تلك اللحظة اقترب النادل، وكان رجلاً خمسينياً بملامح مغاربية واضحة. قال مبتسماً بالعربية:
ـ يبدو أنك عربي.
أجبته:
ـ نعم، عراقي.
ضحك وقال:
ـ وأنا مغربي، هل تريدني أن أترجم؟
أومأت موافقاً.
التفت إلى الراقصة وتبادل معها بضع كلمات، ثم عاد إلي قائلاً:
ـ تسألك لماذا كنت تنظر إليها طوال العرض.
ابتسمت بحرج، ثم قلت:
ـ أخبرها أنني أحب رقص الفلامنكو.
نقل لها الجملة، فابتسمت الراقصة وكأنها كانت تتوقع هذا الجواب.
لكنني أكملت:
ـ وأخبرها أيضاً أن السبب الحقيقي مختلف.
ترجم كلماتي، فأصغت الراقصة باهتمام.
قلت وأنا أحدق في فنجان القهوة:
ـ هناك امرأة تركتها في بغداد منذ سنوات طويلة. لم أعد أعرف أين أصبحت الآن، ولا إن كانت ما زالت تتذكرني أم لا.
توقف النادل لحظة قبل أن يترجم، أما الراقصة فكانت تنظر إلي بصمت.
تابعت:
ـ حين بدأتِ الرقص شعرت أن الزمن عاد إلى الوراء. ملامحك تشبه ملامحها كثيراً؛ العينان، والابتسامة، وحتى الحزن المختبئ خلفهما.
ترجم النادل الجملة كاملة. لم تبتسم الراقصة هذه المرة، بل بدا عليها التأثر.
قالت شيئاً قصيراً، فترجم النادل:
ـ تقول إن أجمل الحب هو ذاك الذي يبقى حياً رغم الغياب.
ساد الصمت بيننا. في الخارج كانت أمطار مدريد الخفيفة قد بدأت تهطل على الأرصفة الحجرية، أما في داخلي فكانت بغداد تمطر هي الأخرى.
بعد دقائق نهضت الراقصة. قالت شيئاً أخيراً، فابتسم النادل ثم ترجم:
ـ تقول إنها سعيدة لأنها جعلتك تلتقي بمن تحب مرة أخرى، ولو عبر الذكريات.
مدت يدها مودعة، فصافحتها. وللحظة قصيرة جداً شعرت أنني أصافح تلك المرأة البغدادية التي ضاعت بين محطات العمر.
غادرت الراقصة القاعة، وبقيت أنا وحدي أراقب الباب الذي خرجت منه. أدركت عندها أن الغربة لا تعذبنا لأنها تبعدنا عن المدن، بل لأنها تجعلنا نبحث عن الذين أحببناهم في وجوه الغرباء.
وفي تلك الليلة، بين مدريد وبغداد، عرفت أن بعض النساء لا يرحلن أبداً… بل يتحولن إلى ذاكرة تسافر معنا أينما ذهبنا.

عدنان الدوسري – كاتب وروائي عراقي



