رحلة العلم والإدارة… سيرة وطن في قلب رجل

كتب حمد دقدقي
ليست كل الليالي تُقاس بساعاتها، فبعضها يُقاس بما يتركه في الوجدان من أثر، وبما يكتبه في ذاكرة المكان من صفحات لا يطويها الزمن. وكانت جازان، مساء الاثنين الثالث عشر من يوليو 2026، على موعد مع واحدة من تلك الليالي التي تعانق فيها التاريخ بالحاضر، وتصافح فيها المجدُ مع الوفاء، حين فتحت جمعية الأدب المهنية بجازان أبوابها لاستقبال قامةٍ وطنيةٍ صنعت من العلم رسالة، ومن الإدارة مدرسة، ومن الإنسان قيمةً تسبق المنصب وتبقى بعده.

دخل معالي الدكتور مدني عبدالقادر علاقي القاعة متشحًا بعباءة الوقار، لا يسبقه سوى تاريخه، ولا يرافقه إلا تواضع العلماء وهيبة رجال الدولة. وحين استقر في مقعده إلى جوار محاورة الأمسية، الأديبة والإعلامية والأكاديمية الدكتورة أميمة منور البدري، بدا المشهد وكأنه صفحة من كتاب الوطن، تتجاور فيها الحكمة مع الكلمة، والتجربة مع الثقافة، والذاكرة مع المستقبل.
استهلت الدكتورة أميمة اللقاء بكلماتٍ أنيقة، رحبت فيها بالحضور، وقدمت الشكر لجمعية الأدب المهنية بجازان على هذا المنبر الذي ظل، عبر تاريخه، نافذةً مشرعةً على الفكر والإبداع، قبل أن تقود الحاضرين في رحلةٍ عنوانها «العلم والإدارة»، لكنها في حقيقتها كانت رحلة الإنسان قبل الوزير، والابن قبل المسؤول، والعالم قبل صاحب القرار.

ومنذ اللحظات الأولى، لم يتحدث معاليه عن المناصب، بل تحدث عن الجذور؛ عن صبيا التي ولد فيها، حيث عبق الفل، وأصالة التاريخ، وصفاء البيوت القديمة. هناك تشكلت البذرة الأولى، ومنها انطلقت الحكاية، قبل أن تنتقل إلى جازان، حيث تعرّف إلى الأبجدية على ضفاف البحر، فكان الحرف أول المراكب التي حملته إلى آفاق المعرفة.
ثم مضت الرحلة إلى مكة المكرمة وجدة، حيث اجتمع نور المكان بضياء العلم، قبل أن تمتد إلى القاهرة، التي وصفها بأنها محطةٌ تعلم فيها القراءة بمعناها الواسع؛ قراءة الفكر، والاقتصاد، والإدارة، والحياة. وبعدها حملته الطموحات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اكتشف ثقافةً أخرى، وتعلم كيف تُدار المؤسسات، وكيف تُبنى الأمم بالعلم والانضباط، بينما ظل الوطن حاضرًا في وجدانه، وصورة صبيا لا تفارق ذاكرته.
وفي حديثه عن مرحلة التقاعد، جاءت إجابته درسًا في فلسفة الحياة، حين قال بهدوء الواثق: «أنا متقاعد… لكنني أقرأ كل يوم، وأستمتع بالقراءة.» وكأن الرسالة التي أراد أن يبعث بها للحضور أن التقاعد يكون من الوظيفة، أما الفكر فلا يعرف التقاعد، والعقل لا يغلق أبوابه ما دام القلب نابضًا بالشغف.
غير أن القاعة بأكملها صمتت حين انتقل الحديث إلى شريكة عمره الراحلة. هنا لم يعد الوزير وزيرًا، ولا الأكاديمي أكاديميًا، بل بدا إنسانًا وفيًا للحب الأول، وقال بصوتٍ امتزجت فيه العبرة بالحنين: «كلما تذكرتها سالت دمعتي… نعم، تزوجت بعد رحيلها، لكنني ما زلت أحتفظ بالحب للحبيب الأول.» كانت لحظةً إنسانيةً نادرة، كشفت أن القلوب الكبيرة، مهما بلغت من المجد، تبقى أوفى للأحبة، وأن الذكريات الجميلة لا تغادر أصحابها.
وانتقل الحوار إلى محطات المسؤولية، فتحدث معاليه عن اختياره وزيرًا بأمرٍ من الملك فهد بن عبدالعزيز –رحمه الله–، وكيف تلقى الاتصال الذي غيّر مسار حياته، مستعيدًا أول جلسةٍ لمجلس الوزراء، معترفًا بكل تواضع أن طبيعته الأكاديمية غلبت شخصيته الإدارية في بدايات التجربة، قبل أن تصنعه المواقف، وتمنحه الخبرة، وتفتح أمامه آفاقًا واسعة في إدارة الدولة.
واستعرض عددًا من المواقف التي حفرتها الأيام في ذاكرته، بدءًا من أول مهمة كُلّف بها في باريس بشأن البوسنة والهرسك، مرورًا بموقفه مع الزعيم العالمي نيلسون مانديلا، الذي أوقف موكبه ليحادث أطفالًا في الطريق، في مشهدٍ جسّد عظمة الإنسان قبل عظمة الزعيم، ووصولًا إلى ذكرياته مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، وما حملته تلك اللقاءات من دروسٍ في القيادة والعلاقات الإنسانية.
ولم تغب الجامعة عن حديثه، فقد عاد بذاكرته إلى أول محاضرة ألقاها، معترفًا بأنه كان يخشى الوقوف أمام طلابه، قبل أن يتحول ذلك الخوف إلى شغف، وذلك الشغف إلى مسيرةٍ علميةٍ قادته لاحقًا إلى مواقع المسؤولية، ليؤكد أن الإدارة الرشيدة تبدأ من قاعة الدرس، وأن أعظم القرارات تولد في عقولٍ تربت على المعرفة.
لقد كانت الأمسية أكثر من لقاءٍ ثقافي؛ كانت درسًا وطنيًا في الوفاء للعلم، وفي الإيمان بأن الوطن لا يصنعه أصحاب المناصب وحدهم، بل يصنعه أولئك الذين حملوا المعرفة رسالة، وجعلوا من المسؤولية أمانة، ومن التواضع عنوانًا دائمًا لهم.
وفي ختام اللقاء، لم يغادر الحضور قاعة الأمسية كما دخلوها؛ خرجوا وهم يحملون شيئًا من سيرة رجلٍ ظل وفيًا لطفولته، ومخلصًا لوطنه، وعاشقًا للكتاب، ومؤمنًا بأن الإنسان يبقى بما يقدمه، لا بما يحمله من ألقاب.
وهكذا أضافت جمعية الأدب المهنية بجازان صفحةً جديدةً إلى سجلها الثقافي المشرق، مؤكدةً أن جازان لا تكتفي بصناعة المبدعين، بل تحتفي برجالاتها الذين كتبوا أسماءهم في سجل الوطن بحروفٍ من علم، وإدارة، وإنسانية، لتظل هذه الأمسية واحدةً من الليالي التي ستبقى مضيئةً في ذاكرة الثقافة السعودية، كلما ذُكر أن العلم إذا اقترن بالأخلاق، وأن الإدارة إذا ساندها الإخلاص، أنجبت رجالًا من طراز مدني عبدالقادر علاقي



