الباحة.. حضارة ونضارة.. بين التاريخ والطبيعة

لم يعد إنسان الباحة في «كركتره» الأول بين الراعي البسيط والزارع الحريص المنغلق على نفسه المستنكر لحداثة الزمان وقبول تطوير المكان. في حقبة مضت على أطياف المجتمع السعودية عامة كان لا يقبل التطور بسهولة ويرفض حضور التقنية والحداثة الحياتية، حتى أصبح الآن أكثر وعياً وحرصاً على تأمين وسائل الحياة الحديثة وأصبح يعيش إنسان الريف وسط التقنية ويشاهد العالم ويتفاعل معه وهو لايزال في الشعيب الذي انقطع فيه قبل أن ينمو فكرياً، لا سيما وأن بسط جامعة الباحة سرائر العلم ونشر المعرفة من خلال فروعها وتمركزها العلمي في منطقة الباحة كان بمثابة بوصلة الجذب التي أقنعت الكبار بقبول مواصلة الصغار دراستهم رجال ونساء، ولم يكن كارهاً ذلك الإنسان الحياة ولكن ضيق العيش قديماً رسّخ في قيمه الخوف من التغيير لشعوره بأنه كان في حال سيئ وبعد أن تأمن المجتمع السعودي بقيادة حكيمة انتشر نعيمها على البعيد والقريب ووصلت الكهرباء والهاتف والماء إلى تلك القرى بصعوبتها الجغرافية، تيقن الإنسان أنه والمكان في طور التحول والتحديث لأسلوب حياة جديد.
في حضرة الماء والغيم وكسوة الأرض الاخضرار باتت منطقة الباحة أكثر المدن جذباً للإنسان وقرر الكثير من أعضاء هيئة التدريس في قطاع التعليم العالي العودة عكسياً إلى العيش في الباحة ومحافظاتها لبكرية أجوائها وصفاء حياتها. سوف يتجول زائر منطقة الباحة بين سلسلة جبالها مختلفة البيئة وصولاً إلى مزارع الرمان في أبيدة التاريخ تلك القرى المغمرة بين الجبال المشهورة بزراعة وتوريد الرمان الأشهر عربياً، حتى يلتقي بتهامة الباحة ويتذوق ألذ المأكولات الشعبية التي لن يتكرر عليه مذاقها، وفي رُبى مندق الباحة حياة أنعم وأطيب بين سدود الماء ومزارع العنب واللوز والتين الشوكي والكثير من المحاصيل الزراعية. كل الباحة مرتع جميل فلن يحتار في الاختيار من يقصدها حتماً سوف يسعدك الطقس على الوقوف في أي جال. في جبال شدا تاريخاً لم يُقرأ حتى الآن ونقوش وكهوف في أعلى قمم الجبال وبعودتك إلى وسط الباحة فأنت في وسط المدنية وتعيش في مدينة عصرية لا تقل عن غيرها من المدن الرئيسة وأسواقها المركزية وفنادقها. لا يبحث الإنسان في جُل وقته عن صخب المدينة عند تنقله بين دول العالم، ويحرص الأغلب على قضاء الإجازة السنوية في منطقة باردة وأكثر هدوءاً وراحة، ذلك ما يميز منطقة الباحة التي تعيش بين حضارة ونقاء حياة القرية، وتشتهر الباحة بتنوع محاصيلها الزراعية وتشتهر بزراعة الرمان الذي يصل إلى جميع الدول الخليجية والعنب واللوز بالإضافة للإنتاج المحلي للعسل الأصلي.
هناك وفي أعلى جبال شدا السحر الغائب عن عيون السواح، تتمتع منطقة شدا في الباحة بجبالها الشاهقة ذات المنظر الصخري الناعم وكهوفها المخضبة ببرك الماء والمزارع التي يعتني بها الزُراع هناك بالإضافة الى إطلالتها الباهرة على الجزء التهامي من المنطقة، ولا يكاد المشهد الخيالي يغيب حتى تجد في كهوف جبال شدا رسومات ونقوشاً تربط الحضارة القديمة اللاتينية بحضارة إنسان الجزيرة العربية وذلك إضافة إلى المواقع التاريخية والشواهد التي ترويها كتب التاريخ وديار الصحابة والملوك حتى لايزال قبر الخلف والخليف الشاهد الواضح على ذلك الامتداد التاريخي.



