مقالات

مكاشفة العمق المستور في المجموعة القصصية “هنا القاهرة”

51 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: نايف مهدي
تتأسس التجربة السردية في المجموعة القصصية “هنا القاهرة” لـحامد الشريف على بنية جمالية واعية تنتمي إلى واقعية الموقف والمفارقة النفسية والاجتماعية، حيث يتخذ الكاتب من الفضاءات المدينية الحيوية والمتحركة مثل مواقف الباصات، والشوارع والأزقة، وسيارات الأجرة، والمترو، والمقاهي مسرحاً جغرافياً حياً واسعاً يُعيد من خلاله إنتاج تفاعلات الذات البشرية ومواجهاتها اليومية المأزومة بزحام الحياة وتناقضاتها.

إنّ المكان عند الكاتب فاعل درامي بجلاء ومحرك أساسي يسهم في تشكيل وعي البطل وأزماته النفسية، ويمنح المسرودات طابعاً توثيقياً مشهدياً يجعل المتلقي شريكًا لازمًا في تنفس هواء الحكاية ومقاسمة أبطالها زحامهم وعزلتهم وخيباتهم المريرة.

أمّا الثيمات الأساسية في معظم هذه النصوص فهي تتمحور حول جدلية الظاهر والباطن وسقوط الأحكام الذهنية المسبقة، وهي ثيمة تلامس بعمق قضايا الهشاشة الإنسانية والوجودية والرمزية؛ فالكاتب يعمد دوماً إلى وضع أبطاله وقرائه في مواجهة مباشرة مع خداع القشور الخارجية وزيفها وصدمة الجوهر الإنساني الكامن خلفها، راصدًا المسافة الفاصلة بين ما يبدو على السطح وما يعتمل في الداخل من صدق أو وجع أو يأس.
وتتجلى هذه الجدلية عبر مستويات موضوعية متعددة بالغة الثراء؛ فتارة يطرحها من خلال تفتيت الصورة النمطية السائدة للملامح القاسية أو سحنة الخروج عن القانون التي يتضح في النهاية أنها تخفي وراءها شهامة ومروءة ونبالة أصيلة تنفجر في لحظة الزحام والاحتياج الشديد، وتارة يبرزها عبر تعرية الأقنعة الدفاعية السيكولوجية كالمرح المصطنع والجنون المفتعل والدعابة الفجة التي يتوسل بها العقل الإنساني ليداري خلفها فاجعة أو مأساة مطبقة أو أمومة مكلومة تترقب حتمية الفقد وتصارع صدمات القدر بإنهاك ووهن.

كما يتسع التناول الثيماتي عند الكاتب ليرصد التناقض الحركي والمفهومي بين الظاهر المعلن الذي لا تخطئه العين والباطن الخفي الذي تحدس به النفس، وصولاً إلى رصد ثيمة الخديعة الاجتماعية واللعب الذكي على الأوتار العاطفية للجموع، مبرزاً من خلالها آليات التكافل الإنساني الفطري وسرعة تلون عواطف الجماعة وتحولها من البرود إلى التعاطف الجارف إثر مشادة عابرة تقلب الموازين.

أما على مستوى التناول والمعالجة السردية، فيميل الكاتب إلى استخدام تقنية السارد الذاتي أو السارد المشارك الذي يتحرك كعين راصدة ومحللة تمتلك فضولًا معرفيًا وتأمليًا حادًا. هذا الفضول يتجاوز الوصف السطحي بمراحل، بل يتحول إلى مبضع نقدي وسيكولوجي وتحليلي ينزع أقنعة الشخوص ليتأمل هشاشتها الكامنة في الأعماق، مستعيناً بقدرة فوتوغرافية لافتة على التقاط التفاصيل التشكيلية الحادة، والوصف الحسي المكثف للملامح ولون البشرة، وارتعاش الأصابع، والندوب، وحركة الأطراف التي تختزل بداخلها صراعات صامتة بين آلية التكتم والإفصاح، وغريزة الانطلاق والحرية.

ويعتمد البناء الدرامي في هندسة حكاياته على تيار وعي متوجس شديد التوتر، ينمو بتصاعد درامي مدروس يخلخل أفق توقعات القارئ باستمرار عبر تقنية التوجيه الخاطئ والإيهام، حيث يبقي المتلقي مشدودًا إلى خيوط السرد خلف احتمالات سوداوية أو ظنون واهمة، قبل أن يفجر الكاتب المفارقة الصادمة في السطور الأخيرة من نصوصه.

وتأتي هذه القفلات بمثابة انعطافات حادة وضربات خاطفة تباغت وعي القارئ وتزلزله، لتعيد ترتيب دلالات النص بالكامل، وتكشف الروابط الخفية أو الحيل المصطنعة بين الشخوص، وتارة أخرى تأتي كقفلة دائرية ذكية تحيل الفردي إلى جمعي، وتربط السلوك الطارئ للبطل بالهوية الجماعية والتاريخية والثقافية لروح المدينة وسلطتها.

وتأتي اللغة في هذه المجموعة القصصية كأداة طيعة، منسابة، ومتلونة تلعب دوراً بنيوياً وتعبيرياً حاسماً في إدارة الصراع ورسم ملامح الشخوص؛ إذ تتأرجح بسلاسة واتزان بين الفصحى السردية الرصينة ذات البوح الوجداني الشفيف والوصف الحسي الدقيق للحالة الفيزيائية والنفسية، وبين الاستعارة الذكية والموفقة للمفردات والعبارات من القاموس العامي المحكي والمستقر في الوجدان الجمعي.

إن هذا المزج اللغوي الواعي يمنح النصوص واقعية سينمائية دافئة، ويجرد الجغرافيا الصامتة من جمودها ليحول الشوارع والمقاهي وعربات النقل إلى شخوص حية تتنفس وتتحرك وتتألم وتشارك في صنع الحكاية بتناغمٍ وترابط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com