المؤرخ قينان الزهراني .. بموته انهد ركن من أركان التاريخ

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) .
رحمك الله يا أبا عبد الرحمن رحمة الأبرار وأسكنك دار القرار .
بقلوب يعتصرها الألم ، ويخيم عليها الحزن ، تلقينا نبأ وفاة الأخ والصديق الأديب المؤرخ الأستاذ قينان بن جمعان الزهراني ، ثاني من كتب عن تاريخ قبيلة زهران في كتاب أسماه : دراسة عن قبيلة زهران . وكانت بدايات اهتمامه بتاريخ قبيلة زهران انطلقت عام (1392هـ) حيث صدر في ذلك العام الهجري كتابه المذكور . ثم توالت بعد ذلك إصداراته عن تاريخ وأعلام هذه القبيلة الأبية .
.
لقد طوى الموت العلم الذي خلد كثيرا من الأعلام ، وأَجْلَى عن تاريخ زهران ضَبَابَة الظلام ، وانهد بموته ركن من أركان تاريخ زهران العظام ، وهيهات أن تجود بمثله الأيام .
وما الدَّهرُ إلا جامعٌ ومفرِّقٌ *** وما الناسُ إلا راحلٌ ومودَّعُ
.
وما زال ذلك المؤرخ البارع مُجِدًّا في البحث عن التاريخ وسير الأمجاد ، حتى رأيته يتصدر المؤرخين ، يسير من نجاح إلى نجاح أكبر ، بخطى ثابتة ومصداقية واعدة ، يتحرّى الصدق ، وينشر المعلومة الموثقة التي أثرى بها المكتبة العربية .
كما كان رحمه الله من أشد الإخوان احتفاظًا بحقوق الصداقة شأن من يعتز بعلمه . ذا بشاشةٍ ، وحُسن خُلُق . يتقبل النقد ويشكر ناقده بأريحيته المعهودة .
ولا يفوتني في هذه العجالة أن أسجل للرجل المؤرخ والباحث والإنسان أنه كان هادئًا للغاية ولم يتشنج أو يضيق بمنكريه، وكان متواضعًا إلى حد ملحوظ ولافت للنظر ، وهو ما لا نلمحه في كثير من أنصاف المثقفين .كما أنه رحمه الله ، لم يعرف اليأس ولم يتمكن منه الإحباط .
ذهب ذلك المؤرخ إلى جوار ربه ليفقد الحقل الثقافي السعودي والعربي واحدًا من رجالاته البارزين, الذين أسهموا بجهد كبير ودأب نادر المثال ، في إثراء الحركة التاريخية والأدبية بصفة عامة . وأصبح رحيله ذكريات عهد تلك الصداقة تبعث حسرات بعضها فوق بعض فتجعلها ركامًا ، وإن كان هناك ما يخفف من وقع هذا المصاب الجلل الذي حل بالساحة الثقافية ، فهو أملنا أن يكون لمؤلفات الأستاذ الراحل إلى رحمة الله وفضله ، ورثة من أنجاله النجباء يحفظون التالد الذي خلفه ، ويعززونه بتجديد نشره ليستفيد منه آلاف البشر ، فهو الباقي له بعد موته ولا يموت علمه بموته ، لقوله صلى الله عليه وسلم : “إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ” . رواه الترمذي ت شاكر (3/652) . وصححه الألباني .
وبينما يكون الموت نهاية محققة لجميع الناس على وجه هذه البسيطة، يكون الموت بداية للكُتَّاب والمفكرين ، حيث قد تلفت نهايتهم جديدًا من القراء والباحثين والمشتاقين والعطاشى للمعرفة وللجديد ، فتتحول النهاية إلى محض بداية جديدة لانتشار ما سطرت أيديهم وما أنتجت عقولهم من مشاريع فكرية .
رحم الله ذلك الصديق الكبير , وعوّضنا عن إخلاصه ودأبه وصدقه وسماحته وطلاوة لسانه وجمال ألفاظه ، وحسن خُلُقه ، وجودة أدبه , بمن سوف ينهلون من نبعه ويسيرون على دربه من بعده.
اللهم بَرِّدْ بسلام تربة كل قبر صديقٍ رحل عنا ، وطيب مضجعه ، وآنس وحشته ، وقه عذاب القبر .
ولا نقول إلاَّ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (لِلَّهِ مَا أَخَذَ ، وَلَهُ مَا أَعْطَى ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى..) . صحيح البخاري (9/115) . وإنا لله وإنا إليه راجعون .
—-
المؤرخ والباحث : علي بن محمد سدران



