مقالات

“حين يحمل المغترب وطنه في حقيبته”.. قراءة سوسيوثقافية للعمالة الوافدة في الأحياء الشعبية بالرياض

43 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب : هاني الحجي

في كل مرة أتجول فيها في أحياء الرياض من أجل الكتابة عن المغتربين والوافدين، لا أشعر أنني أسير في مدينة واحدة، بل يراودني شعور بأنني أتنقل بين مدن عديدة. أخرج من السوق الفلبيني بالقرب من البطحاء، ثم أمر بعدد من البوفيهات والمطاعم الهندية التي تفوح منها رائحة البهارات، ثم أجد نفسي في حيَّي منفوحة وغبيراء أمام متجر سوداني تعرض فيه عطور ذات طابع سوداني مميز.

وفي حي منفوحة أتوقف أمام الملابس التقليدية التي ترتديها بعض الجاليات الإفريقية، بينما يحضر تراث العمالة الآسيوية في عدد من المحال التي تعرض أزياءها الشعبية. وبعد هذه الجولة أتوقف في الصناعية القديمة لتناول المندي والأرز الحضرمي في المطاعم اليمنية المنتشرة هناك.

كل ذلك يشكل جولة سوسيوثقافية في أحياء الرياض الشعبية، وكأن المدينة تتسع لثقافات العالم كله.
لأصل إلى قناعة مفادها أن المغترب لا يهاجر وحده، بل يحمل معه ذاكرته اليومية ورائحة وطنه. يحمل طعامه وملابسه ولهجته ولغته وعاداته، ويحاول إعادة بناء جزء من وطنه داخل المدينة التي يعمل فيها.

لذلك لم تعد أسواق الجاليات مجرد أماكن للبيع والشراء، بل تحولت إلى فضاءات تحفظ الذاكرة وتخفف شعور الغربة.
في الرياض تبدو هذه الظاهرة واضحة. فالسوق الفلبيني ليس مجرد محال تجارية، بل نافذة على الثقافة الفلبينية بكل تفاصيلها. والمطاعم الهندية لم تعد تستقبل أبناء الجالية فقط، بل أصبحت جزءًا من الثقافة الغذائية في الرياض، حتى غدت أطباقها، مثل الماسالا، حاضرة بقوة إلى جانب أطباق محلية عريقة مثل الكبسة والمندي.
كما أن بعض الأحياء اكتسبت مع مرور الزمن ملامح ثقافية خاصة نتيجة تمركز جاليات بعينها فيها. فهناك متاجر مصرية، وأخرى سودانية وباكستانية، ولكل منها منتجاتها وروائحها ولغاتها ولهجاتها، وكأن كل جالية تحاول أن تترك بصمتها في المكان، من دون أن تقطع خيطها بوطنها الأصلي.

أرى أن هذه التجمعات ليست انعزالًا بقدر ما هي محاولة لإعادة تشكيل الهوية في الغربة. فالمغترب يحتاج إلى ما يخفف شعوره بالاغتراب، فيجد في الطعام واللغة والملابس واللقاءات الاجتماعية امتدادًا لحياته الأولى، ولعل أجمل ما في الرياض أنها لم تستقبل هذه الثقافات بوصفها ثقافات عابرة، بل أصبحت جزءًا من نسيجها اليومي. وهكذا تتغير المدينة كما يتغير القادمون إليها، فينشأ حوار ثقافي صامت تصنعه الأسواق أكثر مما تصنعه الخطب، وتصنعه رائحة الطعام أكثر مما تصنعه الكلمات.

وهذا -كما أرى’ ما يمنح الرياض سمة تتجاوز بعدها الاقتصادي؛ فهي مدينة حاضنة لعشرات الجنسيات العربية وغير العربية، استطاعت أن تجعل من التنوع الثقافي جزءًا من هويتها اليومية، حيث يحمل كل مغترب وطنه في حقيبته، وتحتضنه المدينة دون أن تطلب منه أن يتخلى عن ذاكرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com