دفتر الموسيقى القديمة

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
لم تكن سُهاد تُجيد التخلّي، لكنها كانت ماهرة في الاختباء.
في منزل ورثته عن جدّتها، تسكن وحيدة منذ سبع سنوات، في حيٍ لم يعد يسمع فيه أحد صوت الكمان، ولا يعرف أحد من الجيران ما الذي تفعله هذه المرأة ذات الشعر المعقوص والعيون الحزينة التي لا تتحدث كثيرًا.
يقول البعض إنها تُعلّم، وتقول العجوز التي تسكن في الطابق الأرضي إنها تسمع أحيانًا صوت خطواتها ليلًا، وكأنها تمشي في دوائر، كمن يبحث عن شيءٍ لا يُوجد على الأرض.
لم تكن سُهاد تخطط للبقاء.
حين عادت إلى المدينة بعد وفاة والدها، كانت تنوي أن ترتّب أوراقه، أن تغلق بيته برفق، أن تبيع الكمان الذي لم تعزف عليه منذ عشر سنوات.
لكن شيئًا ما في الجدران كان يُمسك بها. شيء يشبه اليد التي تطبطب على كتفك في لحظة انهيار، أو رائحة عطر قديم تذكّرك أنك ما زلت على قيد الذكرى.
في المساء، حين تعود من المدرسة، تخلع معطفها ببطء، تُعدّ فنجان قهوة مرّ، وتجلس على الأريكة المواجهة للنافذة، تنظر إلى الغروب كمن يراقب نهاية مسرحية.
تحب هذه اللحظة.
الضوء البرتقالي، الصمت، وطعم القهوة الذي يُذكّرها بأن بعض النهايات لا تأتي مرة واحدة، بل تتسلّل، وتستوطن.
كانت في الأربعين.
امرأة درست القانون يومًا، ثم ضاعت في الحروف اللاتينية.
أجادت الإنجليزية، كتبت الشعر، عزفت الكمان، ثم انطفأت فجأة.
والآن؟
تُدرّس لطلاب لا يحبون اللغة، لا يفهمون الفرق بين “hope” و”wish”، لكنها تصرّ على تعليمهم شيئًا آخر — تصرّ أن تمنحهم شيئًا ناعمًا، يشبه قلبها الذي لم يتعلم القسوة رغم كل ما خسره.
ذات يوم، وبينما كانت تبحث عن ورقة في درج قديم، وجدت دفترًا قديمًا، دفتَرَ موسيقى بصفحات مائلة ومبقّعة. لم تصدق أنه ما زال هنا.
فتحته… وسمعت صوته قبل أن ترى كلماته.
أبيها كتب لها جملة يتيمة، في الصفحة الأولى:
“العزف ليس للأذن، بل للقلب. إذا توقف قلبك، توقفي عن العزف.”
ضحكت. ضحكت حتى خرجت دمعة ساخنة، نزلت على الورقة كأنها تعتذر.
ثم قلبت الصفحة، فصفحة، فصفحة…
رأت رسائلها لنفسها، حين كانت في العشرين، ثم في الخامسة والعشرين.
رسائل صغيرة كتبتها بعد كل خسارة، وكل بداية حب، وكل مساء ظنّت فيه أن الحياة انتهت.
في آخر صفحة، كانت قد كتبت:
“عندما أكبر، سأجلس في نافذة، أعلّم الأطفال اللغة، وأعزف للكبار ما تبقى من أغنياتي الحزينة.”
أغلقت الدفتر ببطء، ونهضت، مشت بخطى هادئة نحو زاوية الغرفة.
الكمان كان مغطّى بقطعة حرير زرقاء.
نزعتها، نظرت إليه طويلًا، كأنها تُعيد التعرّف عليه.
ثم جلست، ووضعته على كتفها، وأغلقت عينيها…
ضغطت على أول وتر.
كان الصوت خافتًا… لكنه يشبهها. خافتًا، لكنه حاضر.
ضعيفًا، لكنه لا يزال يملك شيئًا من الدفء.
كانت الموسيقى تشبهها تمامًا…
امرأة ما زالت هنا، رغم أن كل شيء غادر منذ زمن.



