ثلاثية العام الجديد

د. مريم حديدي
ربما لا أحفل بالعام الجديد، وأعرف أن هذه جملة غير محبوبة؛ فالناس تحبّ ما يطمئنها، وأنا لا أطمئن بسهولة.
يقولون: العام الجديد بداية جديدة…
وأتساءل: بداية ماذا؟.. هل تغيّرنا حقًا؟ .. هل تبدّلت طبائعنا؟ .. هل تعلّمنا شيئًا لم نكن نعرفه في ديسمبر مثلًا؟
نحن البشر نعلّق آمالنا على التاريخ كما يعلّق الغريق يده بقشّة؛ لأنها تمنحه لحظة وهم. نريد أن نصدّق أن الزمن قادر على ما عجزنا نحن عن إصلاحه:
أخطاؤنا، كسلنا، وغرقنا في يوميات مُهلكة.
نبحث عن نسخة أفضل من أنفسنا، دون أن نمرّ على المحاسبة، ودون أن ندفع ثمن الفهم.
والحقيقة أبسط من كل هذا: الزمن لا يُصلح أحدًا… الزمن يكشف، يفضح، ويعرّي.
العام الذي مضى لم يكن قاسيًا لأنه تعمّد القسوة، لكنه تركنا نرى أنفسنا على حقيقتها. تركنا نرى كيف نكرّر الخطأ نفسه، ونحن نغيّر اسمه.
نسمي الاستنزاف واجبًا،
ونسمي الصمت حكمة،
ونسمي الهروب صبرًا…
ثم نندهش حين تتعب الروح.
الحقيقة أننا لا نُستنزف فجأة؛ نحن نوقّع على الاستنزاف بالتقسيط.
ثم يأتي العام الجديد، فتُفتح بوابة الأحلام.
وأنا لا أستخفّ بها إطلاقًا،
لكنني لا أتعامل معها كشجرة كريسماس مثمرة بالهدايا؛ الأحلام ليست هدايا… إنها فواتير.
من يحلم بالهدوء،
قد عاش طويلًا في رحلة ضجيج.
ومن يحلم بالاتزان، ربما فقد توازنه وهو يتقلّب في صفحات الأيام.
ومن يحلم بالبساطة، أغرق نفسه في تعقيدات لا ضرورة لها.
الأحلام لا تُدلّلنا…
هي تقول لنا بوقاحة مهذّبة: هنا موضع النقص، وهنا موضع الكذب على الذات.
أما التفاؤل، فهذه كلمة تحتاج إلى إنقاذ…
التفاؤل أن ترى الواقع كما هو، ثم تكتشف موطن العطب في إدارتك له.
أما أن تعيد إدارة الواقع بالطريقة نفسها، ثم تسمي ذلك تفاؤلًا، فذلك كمن يفسّر الماء بالماء، ويحتفل بأن العطش سيزول بالتفسير.
ويبقى الأمل…
وأنا أرتاب من الأمل حين يمرّ بخفّة دون أن يغيّر شيئًا؛ وما هو إلا مسكّن زمني لا أكثر. نأخذ جرعة منه في رأس السنة، كي نواصل السير في طريق خاطئ دون توقّف.
بينما الأمل الحقيقي مُزعج؛ لا يربّت على الكتف، لكنه يضع إصبعه على الجرح، ويسألك سؤالًا واحدًا:
ماذا ستغيّر؟ … لهذا لا أحتفل بالبدايات.
فكل بداية غير مسبوقة بالوعي لا تُعدّ، في قاموس البدايات، إلا حيلة أنيقة لتأجيل الخيبة.
وأخطر ما في البدايات الصاخبة،
أنها تُخدّرنا بالتصفيق، ثم تتركنا وحدنا مع ما اعتدناه كل عام.
أما البداية الحقيقية فهي صامتة… بلا ألعاب نارية، وبلا تهنئة جماعية.
قرار صغير لا يراه أحد، لكنه يغيّر الاتجاه.
فإن حدث هذا، فلا يهمني إن كان اليوم أول يناير أو آخر ديسمبر.
وإن لم يحدث، فلا فائدة من تغيير الأرقام.
لأنني، وأنت، وهي، لم نتغيّر… سنعيش العام الجديد كالعام الماضي.
ثم سنتساءل في نهاية 2026: لماذا تكرّر كل شيء؟
وهذا السؤال وحده،
هو بداية تستحق الاحترام.



