بلاغة الهشاشة: حفريّات في الأصوات المقموعـة داخل على أكتاف السماء

د. حمزة مولخنيف
تبدو المجموعة القصصية على أكتاف السماء لحضية خافي أشبه بمرآة متشظّية، تتناثر فيها شذرات التجربة الإنسانية على هيئة نصوص قصيرة، قصص خاطفة، وهلوسات سردية تتناوب بين صوت الذات وصوت الأشياء وصوت الذاكرة، فتُحدث لقارئها رجّة داخلية شبيهة بما سمّاه نيتشه «اهتزاز الإيمان القديم بالمعنى»؛ ذلك الاهتزاز الذي لا يُسقِط اليقين فقط، بل يكشف عن استعاراتنا الأساسية في فهم الألم والهوية والموت. فالمجموعة ليس رواية بالمعنى التقني، ولا مجموعة قصصية بالمفهوم التقليدي، بل هو مختبر سرديّ تتجاور فيه الأصوات والأنواع، وتتداخل فيه الذوات إلى درجة يصبح معها السرد كائناً حيّاً يتكلم من تلقاء نفسه.
تفتتح حضية خافي نصوصها بإهداءات توحي منذ البدء بحضور الفقد كقيمة مركزية: «إلى كل الذين رحلوا… ولم يقولوا لي وداعاً». في هذه الجملة وحدها تتأسّس نبرة الكتاب: الحنين بوصفه ذريعة للكتابة، والكتابة بوصفها محاولة، لا لترميم المسافة بين الأحياء والراحلين، بل لمنح الألم شكلاً قابلاً للمشاركة. ومنذ النصوص الأولى، يتجلّى أن الكتاب ليس مجرد سرد لحكايات، بل بحث عن معنى الكسر الداخلي الذي يخلّفه العيش اليومي، ذلك الذي يعبّر عنه علم النفس الوجودي بوصفه «القلق الناشئ من حضور الموت داخل الحياة»، وهو ما يظهر بشكل جلي في نصّ «طيف»، حين تقول الساردة: «متنا جميعاً إلّا هو…»، في صياغة تكثّف مفارقة النجاة العابرة التي لا تهب الطمأنينة بل تعمّق القلق.

أحد أوجه قوّة المجموعة تكمن في مقدرتها على تحويل العناصر الصغيرة -دفتر، رائحة، علاقة عابرة، ظِلّ، حجر، جناح طائر، حتى الوسادة- إلى كيانات تتكلم، تشهد، وتفصح عن هشاشتها. هذا الاختيار السردي يجعل القارئ في تماس مباشر مع ما يسمّيه بول ريكور «الهوية السردية»، أي قدرة الإنسان على أن يُعرّف نفسه عبر الحكايات التي يرويها أو تُروى عنه، حتى ولو جاءت من الأشياء التي تحيط به. فحين يتكلّم الدفتر في الفصل الثامن قائلاً إن صاحبَه لم يجد ما كتبه وأن آثاراً مبتلّة اتجهت نحو الباب، فإن النصّ يدفع المتلقي لطرح سؤال: من يكتب من؟ الكاتب أم العالم؟ ومن يراقب الآخر؟ القارئ أم الأشياء؟
هذا التبادل في المواقع بين الذوات والأشياء، هو ما يجعل النصوص أشبه بكيانات واعية، تملك «فلسفة صغيرة» حول العالم. نص «محراب» مثلاً، ليس مجرد سرد لتجربة حج، بل تأمل لاهوتي-وجودي حول العبث والتديّن، حيث تتساءل البطلة وسط الطواف والزحام: «ما الجدوى من جسد طاهر في روح دنسة؟ لنطهر الروح أولاً». هنا ترفع الكاتبة سؤال الإيمان من مستوى الشعيرة إلى مستوى الأخلاق الداخلية، ممّا يعيد إلى الذهن التصور الصوفي القديم بأن الطواف الأعمق هو طواف القلب حول الحقيقة، لا طواف الجسد حول الحجر. هذا الخطاب الذي يزاوج بين البعد الديني والوجودي يذكّر بتساؤل كيركغارد: «هل الإيمان حركة داخلية أم طقس خارجي؟» وكأن النص يستحضر هذا التساؤل دون أن يصرّح به.
كما أنّ النصوص لا تكتفي بتفكيك التجارب الفردية، بل تتوغّل في تحليل العنف الكامن في التفاصيل اليومية. وفي نص «شهود»، مثلاً، نرى كيف يتحوّل الخوف إلى جريمة عمياء حين يقول السارد: «رآهم يشيرون إليه بأصابع الاتهام، استيقظ، قتلهم جميعاً». إنّ هذه اللحظة المكثّفة تختصر ما يسميه علماء النفس بـ«الهلع الإدراكي»؛ حيث يصبح الإدراك مهدداً لذاته، وتتلاشى الحدود بين الواقع والبارانويا. فالفاعل هنا لا يقتل الآخرين، بل يقتل صورته المتخيّلة عنهم، ما يجعل النص قراءة في عنف الخوف، لا في عنف الجريمة فحسب.
وحين تنتقل الكاتبة إلى لغة الأشياء الحيّة كما في نص «جناح واحد»، يتحول السرد إلى استعارة جسدية عن الضعف والعطب. نقرأ مثلاً حكاية الطائر ذي الجناح المكسور الذي يُتهم ظلماً بأنه سبب عدوى الفتى، قبل أن تقوم أم الأخير بمحاولة التخلص منه: «اقتربت منه، اقتربت فرِحة… ثم سقطت على حافة السرير متدحرجاً». هنا تُحوّل الكاتبة الطائر إلى ذات مضطهدة، ما يذكّر بتقنيات كافكا في تحويل الحيوان إلى كائن يقاوم السلطة والصوت الواحد، وبتوصيف التحليل النفسي للعنف الأسري بوصفه «إلقاء الذنب على الآخر الهشّ».

وفي نص «جثة» تتخذ الكتابة منحى آخر تماماً، إذ تمنح الكاتبة الجثة صوتاً يدلي باعترافاته من داخل غرفة التشريح: «ها هي ذي تفاصيل جسدي، وهذا الطبيب يسجل ملاحظاته». هذا النص من أقوى نصوص المجموعة من الناحية النفسية، فهو يقدّم الموت لا بوصفه نهاية، بل بوصفه حديثاً مؤجلاً، حيث تتكلم الذات بعد تحلّلها. وهنا يتجلى أثر سيغموند فرويد في قوله إن «الجسد يواصل الكلام بعد الصمت، عبر علاماته». الجثة تسرد تفاصيل موتها وتصف أدوات الوفاة، وتنظر إلى جسدها كما ينظر الغريب إلى غريب. هذا الانفصال بين الذات والجسد يعيد القارئ إلى سؤال ديكارت القديم: «هل أنا الجسد أم أنا الوعي الذي يرى الجسد؟»، لكن النص يذهب أبعد: الجسد هنا هو السارد، بينما غاب الوعي مما يجعل النص تمريناً في تفكيك مفهوم الهوية.
وإذا انتقلنا إلى نص «اللعنة»، نرى كيف يتحوّل الكتاب نفسه إلى ذات تتكلّم: مذكرة تتألم، رسالة تحترق، وكتب تتحدث عن مصائرها في مكتبة صاحب المنزل. تقول المذكرة: «أنا مجرد ذكريات… ربما أنتم سلسلة جديدة». هذا الاشتغال على «موت المؤلف»—بالمعنى البارتي—يُفهم القارئ بأن النصوص ليست ملكاً لكاتبتها، بل هي كيانات مستقلة تتصارع وتتناسل، وتواجه مصير الاحتراق الرمزي في المدفأة. إنّه تصوير عميق لقلق الكتابة ولعلاقتها بالذاكرة، فالنص هنا لا يقاوم الاحتراق فقط، بل يقاوم النسيان وكأنّ الكتابة شكل من أشكال البقاء في وجه الفناء.
وفي نصوص أخرى، مثل «هوية» و«متذمرون»، نلمس نقداً اجتماعياً واضحاً، حيث تلتقط الكاتبة ملامح اللامبالاة والانهيار القيمي وتشييء الإنسان. لكنّها تفعل ذلك دون خطاب مباشر؛ بل عبر عين الأشياء الصغيرة أو عبر أصوات مهمّشة، كقطعة عضو بشري تُنقل في كيس، أو متشرد يموت دون أن يلاحظ أحد. هذا الأسلوب ينتمي إلى جماليات الهامش، حيث يصبح الهامشيّ مرآة تكشف هشاشة المركز، ويصبح المنسيّ أداة لكشف بنية المجتمع.
ويتّضح للقارئ، كلما تقدّم في صفحات على أكتاف السماء، أنّ حضية خافي لا تقدّم نصوصاً منفصلة بقدر ما تبني «معماراً سرديّاً موزّعاً»؛ معمارٌ يقوم على تعدد الأصوات وتجاور الذوات، ويتأسس على ما يشبه الحفريات التي تحدّث عنها ميشيل فوكو: طبقات من الأصوات، بعضها ظاهر وبعضها مطمور، وبعضها لا يتكلّم إلا عبر كسوره وصمته. وفي هذه الطبقات يتداخل الإنسان بالجماد، الذات بالصورة والحي بالميت، حتى تصبح الحدود بين الكيانات حدوداً رخوة، قابلة للاختراق، وكأن الكاتبة تعيد تشكيل العالم على هيئة أمثولة وجودية تتحدث فيها الأشياء عن مصائرها، ويُمنح المهمّش حقّ الوجود عبر اللغة.
ولعلّ أكثر ما يلفت في هذا العمل هو «الوعي المزدوج» الذي يستبطنه: وعي يرى العالم من الخارج، يرصد مفارقاته ونزقه، ووعي آخر ينظر من الداخل إلى هشاشته وظلاله. وبهذا المعنى تبدو النصوص أشبه بما وصفه الفيلسوف بول فاليري حين قال: «إنّ القصيدة هي المكان الذي تتكلم فيه اللغة عن نفسها»، لكنّ حضية خافي توسّع هذا التصوّر ليصبح: «النص هو المكان الذي تتكلّم فيه الأشياء عن الإنسان».

يظهر هذا بجلاء في النص المؤلم “وسادة”، حين تتحدّث الوسادة عن رائحة الزيوت التي تُلقى عليها كل ليلة، وعن ضجرها من الثبات والصمت، وتقول: «لأن السيدة كانت مستيقظة من النوم، وكنت أبحث عن أنفاس نظيفة…». هنا، لا تتحوّل الوسادة إلى مجرد أداة سردية، بل إلى بؤرة وعي صغيرة تحاكم طقوس الحياة اليومية: الإهمال والتكرار والروائح والرتابة، وكل ما يتسلّل إلى التفاصيل دون أن ينتبه إليه البشر. هذه القدرة على إحياء الجماد فنّ يتطلب حسّاً شعرياً عميقاً، لكنه في الوقت نفسه ينهض بوظيفة نقدية: إنه يكشف كيف أنّ الإنسان في انشغاله بنفسه، يعبر فوق الأشياء فوق «أكتافها» دون أن ينتبه لجراحها الصغيرة.
في نص «تمرد»، تتحول غرفة المستشفى إلى مسرح نفسي ترى فيه الكاتبة الإنسان في أضعف لحظاته: الخوف من توقف القلب، صوت آلة الأكسجين، هرولة الطاقم الطبي، وانهيار السكينة. لكن المدهش هنا أنّ الكائن الذي يروي ليس مريضاً، ولا طبيباً، بل «زمام الوعي نفسه»، حيث يقول السارد: «كانت تلك المرة الأولى التي أشعر فيها بالخوف وبدأت لا شعورياً بالصراخ». وكأن الخوف هنا كائن مستقل، يمتلك صوتاً، يطلّ من داخل الذات ليعلن السيادة على الجسد، تماماً كما وصفه مارتن هايدغر حين قال إنّ «القلق هو الحالة التي يتحرّر فيها الوجود من الأشياء ليواجه العدم مباشرة». هذه المواجهة المباشرة مع العدم تكرّس ما يمكن أن نسميه: «هشاشة الوعي داخل مكان مفعم بالموت»، فالمستشفى، كما تصفه النصوص، ليس مكان شفاء، بل مكان تتجاور فيه الحياة بالموت دون فاصلة حقيقية.
هذا التجاور يظهر بأقسى صوره في نص «رهاب»، حيث يُحتجز السارد داخل المصعد مع جثة. كان هذا النص واحداً من أقسى المقاطع من حيث التأثير النفسي، ليس فقط لأنه يعرض مأزقاً يومياً مُروّعاً، بل لأنه يرسم بدقة ما يسميه علماء النفس «الشك الوجودي الحاد»: تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأنّ الحدود بين الحياة والموت شديدة الرقة، وأنه «كينونة معلّقة» بين الدرجات. يقول: «كنت أجهل ماذا أفعل… هل يتحرك؟ هل يعطس؟». هذا السؤال البسيط العبثي، يكشف عمق المأساة: الجثة تتحوّل إلى مرآة تهدد الوعي، وتذكّر السارد بأنّ ما يفصله عنها هو مجرّد نَفَس. هنا يتحول الخوف من الجثة إلى خوف من الذات، من هشاشتها ومن اقتراب المصير، وهو خوف قديم عبّر عنه دوستويفسكي في مذكرات من تحت الأرض حين قال: «أخاف أن أنظر في المرآة كثيراً، لأنني قد أرى نفسي كما أنا فعلاً». والجثة هنا مرآة من النوع الذي لا يكذب.
لا تكتفي حضية خافي بنقل تجارب الموت والصدمة، بل توسّع منظورها ليشمل ظاهرة أخرى: «تشظّي الهوية». في نص «هوية»، يتكلم إصبع مقطوع واصفاً مشاهد الازدراء والتحلّل، قائلاً: «بدأت أميل للسواد، وبدت أظافري تجف… إني أفقد حيويتي». إنّ اختيار «الإصبع» كراوٍ ليس صدفة، فهو جزء من هوية مفقودة، لذات أكبر غابت عنه. بهذا المعنى، يتحول الإصبع إلى استعارة فلسفية لما يحدث للإنسان في المجتمع المعاصر: تجزئة الذات وضياع الانتماء، وتحوّل الهوية إلى أجزاء متناثرة. وهذا يعيدنا إلى طرح جان بول سارتر عن الإنسان «ككائن يشتّت نفسه عبر العالم ولا يجمعه سوى وعي هشّ». الإصبع هنا وعي هشّ بالفعل، يتحوّل من عضو حي إلى جثة مجهرية تسأل عن مصيرها ومصير جسدها الأكبر، وكأنها تسائل: أين أنا من نفسي؟.

يتواصل هاجس التشظّي في نص «اللعنة»، الذي يُعدّ من أكثر النصوص عمقاً من الناحية الفلسفية. فالمذكرة تمثّل هنا «الذاكرة النصية» للإنسان، تخشى الاحتراق وتخاف النسيان، وتقول: «أنا مجرد ذكريات… كلها من الأرقام فقط». في مقابل ذلك، تتكلم النار لا بوصفها أداة حرق، بل «قوة فرز» تفصل بين ما يستحق البقاء وما يجب أن يتلاشى. هذا الحوار بين المذكرة والنار يذكّر بالقصة الرمزية التي يرويها يورغن هابرماس حين يتحدث عن «امتحان المعنى»، حيث يجب على الإنسان أن يبرر ذاكرته كي تبقى، وأن يعيد كتابة ماضيه كي لا يتحوّل إلى رماد. هنا، يصبح الاحتراق فعلاً أخلاقياً: النار لا تلتهم جميع الكتب، بل فقط «الصفحات التي تحمل الألم»؛ وكأن الكاتبة ترسم عبر النار عملية تطهير قاسية، مشابهة لما عرفه الإغريق في مفهوم الكاثارسيس، التطهير عبر الألم وعبر الفناء الرمزي.
أما النصوص التي تتناول العلاقات الإنسانية، مثل «علاقة» و«أمل» و«غواية»، فهي تحفر في المناطق السلوكية الدقيقة التي لا تُرى بسهولة. في نص «علاقة»، تقول الكاتبة: «يدخلها فيحزن، وتدخله فيغضب»، وهي عبارة تختصر دهراً من التحليل النفسي للعلاقات السامة. فالغضب والحزن هنا ليسا مجرد ردود فعل، بل نمطان وجوديّان يلتصقان بالذات حين ترتبط بمن لا يشبهها. في هذا النص القصير جداً، تكثّف الكاتبة فكراً كاملاً يشبه ما طرحه إريك فروم في الهروب من الحرية حين قال إنّ الحب قد يتحول إلى معركة من طرف واحد إذا انعدمت الحرية الداخلية. وهنا، يظهر بوضوح أن حضية خافي تُجيد كتابة «علم النفس الوجداني» عبر جملة واحدة.
كما نجد حضوراً لافتاً لموضوع «الشهوة والرغبة» في نصوص مثل «غواية»، حيث تقول الساردة: «همست؛ لنذب كقطعة سكر»، وهي استعارة حسية قوية تجمع بين الذوبان واللذة والانسحاق في آن واحد. هذا المزج بين الرغبة والفناء يذكّر بتأملات جورج باتاي حول «الشهوة بوصفها تجاوزاً للحدود»، ويكشف كيف أنّ النصوص لا تخشى الاقتراب من المناطق الممنوعة أو الحساسة، لكن بلاغتها تظل رشيقة وشاعرية، ولا تخدش بقدر ما تكشف.
وعلى الرغم من هذه الظلال الثقيلة، تمتلك المجموعة أيضاً لحظات «فرح صغيرة»، لكنها فرح هشّ سريع الزوال، كما يظهر في نص «ورد»، حين «تتسلل رائحة عطر عبر الأثير الأبيض». العطر هنا ليس مجرد رائحة، بل تذكير بأن الحياة رغم قسوتها لا تزال تحمل جمالاً خفياً، لكن هذا الجمال لا يستمر، تماماً كما وصف بودلير «اللحظة الجميلة التي تموت فور ولادتها». هذه الثنائية -فرح هشّ/ألم كثيف- تعطي للنصوص نبضاً بشرياً حقيقياً.
بهذا يبدو أنّ حضية خافي لا تكتب عن العالم بقدر ما تكتب العالمَ نفسه في شكل شذرات. كل نصّ في هذا العمل أشبه بصوت معزول، يبحث عن قارئ يربطه ببقية الأصوات. ومن خلال هذا البحث، يتكشّف للقارئ أن الكتاب لا يريد منه فهم الحكايات، بل يريد منه «المشاركة في ألمها»؛ وهذه المشاركة هي في جوهرها فعل فلسفي، لأنها تُعيد الإنسان إلى هشاشته الأساسية، وتكشف له أن العالم لا يقف على أرض صلبة، بل على كتف طائر يرتجف في «سماء منخفضة».
كلما توغّلنا في نصوص على أكتاف السماء، اتّضح أنّ المجموعة القصصية لا تتعامل مع اللغة كأداة وصف، بل كفضاء وجوديّ يُعاد فيه تشكيل العالم عبر التفاصيل، بحيث يصبح كل تفصيل-مهما بدا ضئيلاً- نافذة تطلّ على الأسئلة الكبرى حول الحياة والموت والهوية والوعي، الذاكرة والفقد. وهذه القدرة على تحويل الجزئيّ إلى كونيّ، والهامشيّ إلى مركزيّ، تقرّب النصوص من ما تسميه الفلسفة المعاصرة «ميتافيزيقا الصغير»، أي البحث عن المعنى في الشقوق الدقيقة التي تتسرّب منها الروح حين تضيق بها اللغة.
أحد أبرز الملامح التي تتكثف في هذه النصوص هو الحضور المكثّف لـ«صوت المقموع»، سواء كان هذا الصوت لطائــر مُلاحَق، أو لإصبع مقطوع، أو لمذكرة متربة، أو لجثة تنتظر تقرير الطبيب. هذه الأصوات ليست مجرد خيال سردي، بل بنية رمزية كاملة، تشير إلى أنّ العالم لا يُفهم من مركزه، بل من أطرافه. وهذا ما يؤكد قول الفيلسوف المعاصر إيمانويل ليفيناس: «إنّ أولى خطوات الفهم الأخلاقي هي الإصغاء إلى صوت الآخر الضعيف». هنا تكمن قوة حضية خافي: لقد اختارت أن تبني كتابها على الأصوات التي لا تُمنح عادة فرصة للكلام، مظهرةً بذلك أن الهشاشة ليست حالة فردية، بل كياناً وجودياً يرفرف فوق الجميع.
يتجلى هذا الأمر في نص «شاهد»، حيث يتحول الطائر الذي كان يحاول العيش قرب حاوية النفايات إلى كائن شاهد على جريمة قتل، يقول: «لم أكن أتوقع أن يسقط بهذا الشكل، ثم رأيت المتشرد يسبح في دمائه». هذا المشهد، ببراءته وبشاعته معاً، يحوّل الطائر من كائن ضعيف إلى شاهد على العنف الإنساني. لقد رأى ما لم يره البشر، وقدّم شهادة من خارج الإطار الاجتماعي. وهنا يتجلى نقد ضمنيّ للحياة المعاصرة، حيث يمر البشر بجانب المآسي دون أن يلتفتوا، بينما يراها «الآخر الصغير» في صلبها. الطائر، الذي كان ضحية بالأمس وصار شاهداً اليوم. وبهذا، يذكرنا النص بما كتبه حنّة آرندت عن تفاهة الشر: كثير من العنف يحدث لأنّ أحداً لا ينظر إليه مباشرة، أو لأنّ العيون المعتادة فقدت القدرة على رؤية ما يحدث بالفعل.
لا يقتصر الأمر على مراقبة العنف، بل يمتد إلى تفكيك العلاقة بين الجسد والهوية. في نص «جثة»، تقف القارئة أمام واحدة من أكثر اللحظات السردية قسوةً وعمقاً، حين تقول الجثة: «كنت الناجية الوحيدة من بين من استقلّ تلك السيارة، ولكن بجسدي فقط دون روح». إنّ هذا الجملة تختصر مأساة وجودية كاملة: النجاة ليست دائماً نعمة، بل قد تكون نقمة تُبقي الجسد بلا إشراق، والوعي بلا مأوى. فالجثة هنا تتذكّر حياتها الماضية، لكنها تتحدث من خارج الحياة، وكأنّ الوعي نفسه لم يمت بعد. وهذا يعيد إلى الأذهان نظرية موريس ميرلو-بونتي حول «الجسد الظاهراتي»، حيث يصبح الجسد ليس مجرد مادة، بل ذاكرة مستمرة، قادرة على الكلام حتى بعد تحلّله. الجثة تفكّر، تشتكي، تخاف من الطبيب ومن المشرحة، وتقول: «ليتني كنت على قيد الحياة لأخبرهم بتفاصيل الحادث». هذا التوتر بين الرغبة في الكلام وعدم القدرة على إدراك الذات باعتبارها ميتة يكشف عن واحد من أعمق أسئلة الفلسفة: هل تستمر الذات بعد توقف الجسد؟ وهل الكلام فعل حياة أم أنه يتجاوز الحياة؟ النص لا يجيب، لكنه يفتح الباب لإعادة التفكير في معنى الوعي نفسه.
وإذا كانت الجثة تمثل «الوعي الذي يتكلم من خارج الحياة»، فإن نص «اللعنة» يقدم حالة أكثر تجريداً: «النص الذي يتكلم من خارج المعنى». المذكرة المتروكة في القبو تتحدث عن سنوات من التعتيم والإهمال، وعن خوفها من الاحتراق، وعن الكتب التي تُلقى في المدفأة كنوع من التطهير العنيف. تتساءل المذكرة: «لماذا تحرقنا النار؟ ولماذا تختار من بيننا الورقة التي تحمل الألم؟». هنا تتحول النار إلى ذات واعية، متناغمة مع آلام الإنسان، لكنها في الوقت نفسه قوة قاسية باردة، لا تعبأ بما تفنيه، تقول: «أنا فقط ألتهم وأحوّل كل شيء إلى رماد». هذا التبادل في الوعي بين الورقة والنار يشبه حواراً وجودياً حول الذاكرة: أيّهما يحمل الحقيقة؟ الورقة التي تتعذّب بما سجّلته، أم النار التي تلتهم كل شيء دون تفرقة؟ وهو سؤال يعيد إلى الأذهان مقولة برجسون عن الذاكرة باعتبارها «جرحاً مفتوحاً». الورقة جرح والنار مشرط.
لا يقلّ عمقاً عن ذلك نص «بذاءة»، الذي يبدو لأول وهلة نصاً طريفاً عن الأسنان، لكنه في الحقيقة تأمل صارخ حول دورة الفساد في الجسد، وعن كيفية انتقال الألم من عضو لآخر. حين يقول ضرس العقل: «لديّ تشوّه خلقي، يجب أن أغادر»، فإنه لا يتحدث فقط عن إزالة ضرس، بل عن عطب داخلي يقرر الرحيل. هذا يعيد إلى ذهن القارئ فكرة سيغموند فرويد عن «الذات كجسد متكلّم»، حيث يعبّر كل ألم عضوي عن دلالة نفسية -حتى وإن كان ضمنياً. في النص، الألم ليس مجرد ألم، بل حوار بين الأعضاء وصراع بين أجزاء الذات، وكأن الكاتبة تكتب من داخل مختبر تحليلي رمزي.
وفي نص «متذمرون»، يتجلى مستوى آخر من النقد: نقد اجتماعي-سياسي، لكن من زاوية إنسانية، حيث يقول السارد: «المتذمرون يبدأون من الوقود ثم الأسعار… لا أحد يحمد الله». هذه العبارات القصيرة تلتقط لحظة الشكوى العامة التي تسود المجتمع: ملل، غضب، عدم رضا دائم. لكن النص لا يحاكم هذه الظاهرة أخلاقياً، بل يعرضها كمرض وجودي، كحالة جماعية تشبه ما وصفه فيكتور فرانكل حين قال: «الإنسان الذي يفقد المعنى يصرخ على الواقع». المتذمرون هنا لا يصرخون على الوقود، بل يصرخون على الحياة نفسها.
أما في نص «عزاء»، فالحزن يتخذ شكل مواجهة مباشرة مع الموت، حين يطلب صوتٌ من الخلف: «ودّعيها… هل ستجدينها في وقت آخر؟». هذا السؤال المفجع يُدخل القارئ في دوّامة الحقيقة: لا يوجد «وقت آخر». الزمن ليس مجالاً قابلاً للتفاوض. الفقد نهائي ومباشر، ولا يمنح فرصة ثانية. وبهذا، يعيد النص الإفصاح عن واحدة من أكثر الحقائق قسوة في التجربة البشرية: الموت لا ينتظر اكتمال استعدادنا.
كل هذه النصوص تتضافر لتشكّل ما يمكن وصفه بـ«فلسفة الهشاشة الجمالية»، حيث يصبح ضعف الكائنات والأشياء وتصدّع العالم، وانكسار العلاقات ونحيب الذاكرة، هو المادة الأساسية للفن. إنّ حضية خافي لا تكتب عن القوة أو البطولات أو الانتصارات؛ بل تكتب عن الشقوق وعن المكسور والمنسيّ وعن الملقى على الهامش. وتلك الكتابة ليست مجرد جماليات سردية، بل موقف وجودي، قريب من ما وصفته سيمون دو بوفوار حين قالت: «أن نكتب عن الهشّ، هو أن نعلن تمرداً صامتاً ضد قسوة العالم».
وتتخذ التمردات الصامتة في الكتاب أشكالاً متعددة: الطائر الذي يشهد، والجثة التي تتكلم، والمذكرة التي تنتظر، والإصبع الذي يسأل عن مصيره، والضرس الذي يطلب الرحيل، والوسادة التي تحتج على الروائح، والحجر الأسود الذي يُعاد تأويله في نص «محراب» بوصفه «مجرد حجر مزيّن بفعل البشر» كما قالت إحدى الشخصيات، الأمر الذي يطرح سؤالاً عميقاً حول القداسة: هل القداسة تنبع من المادة أم من الشعور؟ هذا التساؤل يتماهى مع فكرة الفيلسوف رودولف أوتو في كتابه القديّس: حيث يرى أنّ القداسة ليست شيئاً خارجياً، بل تجربة داخلية أساسها «الرهبة والوجد». النص هنا يعيد النظر في الممارسات الدينية بوصفها أفعالاً تحتاج إلى معنى داخلي، لا مجرد حركات.
هكذا تتكشف طبقات النصوص في على أكتاف السماء كأنها حفريات في هشاشة الإنسان. وبذلك، تصبح المجموعة القصصية نصاً عن «الإنسان المكسور»، لكن ليس بطريقة مأساوية، بل بطريقة تكشف الجمال الدفين في الكسر نفسه. فالهشاشة هنا ليست ضعفاً، بل مرآة مكبّرة للحقيقة، وتلك المرآة هي ما يجعل هذا العمل قادراً على اختراق القارئ دون أن يرفع صوته، ودون أن يقدّم دروساً مباشرة. إنه يحكي فقط يحكي، لكنه حين يحكي يفتح أبواباً فلسفية واسعة.
حين نصل إلى خاتمتنا الفكرية لقراءة هاته المجموعة القصصية على أكتاف السماء، يتبيّن لنا أنّ حضية خافي لا تهدف فقط إلى تقديم نصوص قصيرة ذات طابع شعوري أو وجداني، بل إلى تفجير ما يمكن تسميته بـ«جغرافيا الهشاشة» داخل الوعي. إنّ النصوص بتعدد أصواتها وتكسّرها وتماهيها بين الذات والآخر والإنسان والشيء والموت والحياة، تنحو نحو جعل الكتابة نفسها كائناً ثالثاً، وسيطاً بين الواقع والمتخيّل، بين الألم ورغبة الترميم، بين الفناء ومحاولة النجاة عبر اللغة. هنا بالضبط تتأسس القيمة الفلسفية للنص: الكتابة كفعل مقاومة للعدم، ومساءلة دائمة للوجود.
تبدو الكثير من نصوص المجموعة وكأنها مكتوبة تحت وطأة سؤال واحد يلوح من خلف كل سطر: ماذا يحدث حين نتكلم من حافة الحياة؟ إنّ الشخصيات سواء كانت بشرية أو جمادية، تتحرك غالباً على الحدود: حدود الموت في «جثة»، حدود الفناء في «اللعنة»، حدود الألم في «بذاءة»، حدود الحقيقة في «شهود»، وحدود الإيمان في «محراب». وهذا العيش على التخوم يجعل النصوص شبيهة بما سمّاه ألبير كامو «الوعي المكسور»: الوعي الذي لا يعيش داخل العالم بسلاسة، بل يضطر دائماً إلى التساؤل وإلى مقاومة العدم، وإلى بناء معنى حتى من داخل الفوضى.
في نص «محراب» مثلاً، يبرز هذا الوعي المكسور بشكل واضح. البطلة التي تطوف وتبكي وتحاول أن تفهم نفسها داخل فضاء ديني مقدس، تستشعر لحظة مفارقة تقول فيها لصاحبتها: «ليس المهم الطواف ما دام القلب ميتاً». هذا التصريح يلخص نزعة النقد الروحي الصريحة التي تمارسها الكتابة، ليس المهم الفعل الخارجي، بل الوعي الداخلي؛ ليس المهم الشكل بل الحقيقة. هذا الخطاب يعيدنا إلى التصوف الفلسفي، حيث يرى ابن عربي أنّ «الطواف الحق هو طواف القلب حول المعنى». في هذا السياق، يصبح النص ليس مجرد سرد لشعيرة، بل مساحة لطرح سؤال ديني وجودي: ما الذي يجعل الفعل مقدساً؟ وهل يمكن لفعل بلا قلب أن يكون شيئاً غير عادة؟.
إنّ هذا النوع من الأسئلة لا يخرج فقط من النصوص ذات الطابع الديني، بل يتسرّب حتى إلى النصوص التي تتعامل مع الحياة اليومية. في نص «ورد»، على سبيل المثال، يتسلّل الفرح في لحظة صغيرة، لحظة عطر يخترق الفضاء، لكنه سرعان ما يتلاشى. هذا التلاشي السريع للعطر يذكّر القارئ بما كتبه غوستاف فلوبير عن «اللحظات الشفافة» التي تنفلت من بين الأصابع. إنها لحظة جمال هشّ، لا يمكن القبض عليه، لكنها تترك في الروح أثراً، وهذا الأثر هو ما يجعل الحياة محتملة. وهكذا يتبين أنّ الكتابة عند حضية خافي لا تبحث عن الانتصارات الكبرى، بل عن تلك الومضات الصغيرة التي تبرّر استمرار الإنسان في مواجهة القسوة.
يبرز هذا التلاشي أيضاً في نص «أمل»، حيث تقول الساردة: «أحاسيس غريبة تراودني… هل سيأتي؟». إنّ الأمل هنا ليس يقيناً، بل رغبة معلّقة في الهواء، تتأرجح بين الحضور والغياب. الأمل ليس وعداً، بل سؤال. وهذا يشبه ما وصفه الفيلسوف إرنست بلوخ في كتابه مبدأ الأمل حين قال إن الأمل هو «حركة نحو المجهول»، وليس نحو وعد محدد. الأمل في النصوص يبدو قلقاً هشّاً غير مكتمل، يعكس طبيعة الإنسان الذي لا يملك ضمانات، بل فقط رغبات تتجول في فضاء مفتوح.
أمّا نص «رغبة»، فقد قدم صورة أكثر تعقيداً حول ثنائية الإرادة والحدود، حين تقول الساردة: «فالجمال اللامتناهي من المستحيل أن يكون في متناول الجميع». هذا التصريح يكشف عن إدراك عميق بأن الإنسان لا يطول كل ما يرغب فيه، وأن الرغبة في حد ذاتها شكل من أشكال الوعي بالحدود. فالرغبة ليست فقط شهوة، بل هي اصطدام دائم بين الممكن والمستحيل. وهذا الاصطدام هو ما يجعل الإنسان كائناً «مفتوحاً» غير مكتمل، يبحث باستمرار عن توازن بين ما يريد وما يستطيع. وبذلك يرسم النص فلسفة واضحة: الجمال ليس ملكية بل حالة مرور.
ثم تأتي النصوص الأكثر قسوة، تلك التي تتعامل مع الموت بشكل مباشر، لتكشف عن قدرة حضية خافي على تحويل الفناء إلى مجال للتساؤل الفلسفي. في نص «قبر»، تقول الساردة: «أجلس بجواره… أداعب رأسي… أود لو أقبّل التراب». هنا يتحوّل القبر من مكان للدفن إلى مكان للعلاقة، للحوار الصامت بين الحي والميت. لا يوجد خوف، بل نوع من الحميمية الحزينة. وهذه الحميمية تعيد للقارئ ما كتبه رولان بارت في يوميات الحداد حين قال: «إنّ الحداد هو الحوار الأخير مع من غادر». الحوار في نص حضية خافي لا يتمّ بالكلمات، بل بالملامسة، وبالاقتراب من التراب، وبالرغبة في البقاء قرب الفقد. إنه نوع من «الألفة مع الموت» كما يسميها هايدغر.
ولا تقل النصوص التي تتناول الألم الجسدي والروحي كثافة عن تلك التي تتناول الموت. ففي نص «بذاءة»، يتحول الألم إلى مجموعة أصوات من داخل الفم، تتحدث، تتجادل، تتألم وتعلن: «نحن نتناول ما تقدّمونه… نحن نتحمّل القاذورات». هذا التداخل بين العضوي والمعنوي يجعل الجسد نفسه فضاءً للحوار والاحتجاج، وكأن الكاتبة تقول: إنّ الجسد ليس موضوعاً صامتاً، بل ذات تتكلم، تتألم، وتقاوم. وهذا ينسجم مع التصور الظاهراتي الذي يرى الجسد «نافذة الوعي» وليس نقيضه.
ويتضح في العديد من النصوص أن الكتابة لدى حضية خافي ليست وسيلة للبوح فقط، بل وسيلة لـ«إعادة ترتيب العالم». فالعالم في نصوصها يبدو شبيهاً بفضاء محطّم يحتاج إلى يد تُعيد جمع أجزائه، أو على الأقل إلى لغة تعترف بأنّ هذا التحطّم جزء من التجربة الإنسانية. الكتابة في هذا المعنى مقاومة: مقاومة للتلاشي، للنسيان، للغياب، للجمود. وهذا ما يجعل العنوان على أكتاف السماء عنواناً دالاً، لأنه يشير إلى أنّ كل النصوص محمولة على كتف هشّ، كتف غير ثابت، كتف سماء «تميل إلى السقوط»، لكنها رغم ذلك تحمل العالم قليلاً ولو عبر الكلمات.
إن المجموعة القصصية تقدّم تصوراً جديداً لمعنى أن نكون بشراً: أن نكون هشّين، نعم، لكن قادرين على تحويل هشاشتنا إلى جمالية وإلى لغة، وإلى دليل على أننا لا نزال نكافح من أجل المعنى. إنها فكرة قريبة من فلسفة بول ريكور حين تحدث عن «الإبداع من داخل الجرح»، حيث يرى أن الإنسان لا يبدع على الرغم من جراحه، بل بفضلها. الكتابة هنا جرح مفتوح، لكنها أيضاً شفاء.
إنّ هذا العمل في مجموعه، لا ينتمي إلى جنس أدبي محدد، بل يشبه «سبيكة» من السرد والفلسفة والتحليل والخيال. يجمع بين القصة القصيرة جداً، والومضة والاعتراف والحوار الداخلي والمشهد الرمزي، ما يجعله نصاً مفتوحاً وقابلاً لإعادة التأويل في كل قراءة. وهذا الانفتاح هو ما يمنح المجموعة قيمتها الكبرى: إنها ليست نصاً يُقرأ مرة واحدة، بل نصاً يستدعي القارئ إلى العودة، وإلى سماع الأصوات مرة أخرى، لأن كل صوت فيه يحمل طبقات متعددة من المعنى.
إن على أكتاف السماء ليس مجرد مجموعة قصصية عن الأشياء التي تتكلم، بل قصص عن الإنسان الذي يسمع لأول مرة. قصص عن الكائن الذي ينصت لآلامه حين تأتي من الخارج، لأن الألم حين يخرج من فم الوسادة أو من جناح طائر أو من ورقة محروقة يصبح أكثر وضوحاً، وأكثر قدرة على كشف الحقيقة. وهذه الحقيقة هي أن الإنسان مخلوق هشّ، لكنه يحمل في هشاشته جمالاً لا يمكن إنكاره، جمالاً يجعل السماء—مهما ثقلت—تحمله قليلاً.
وبهذا، تكتمل قراءتنا الفلسفية التي حاولت تفكيك بنية المجموعة القصصية من الداخل، والبحث عن خيوط المعنى في كل تشظٍّ لغوي، وفي كل صوت مهمّش، وفي كل سؤال معلّق بين الأرض والسماء. لقد أثبتت حضية أنّ الفن لا يحتاج إلى مساحات واسعة ليقول الحقيقة، أحياناً، يكفي جناح طائر أو جملة على ورقة مهملة لتكشف العالم كله.



