دقيقة لا تمضي .. قصة قصيرة

هيفاء علي نورالدين
في الحيّ القديم، كان هناك محل صغير لإصلاح الساعات.
لا أحد يعرف متى افتتحه العم سالم، ولا أحد يذكر أنه رآه مغلقًا يومًا. كان يجلس خلف طاولته الخشبية، منحني الظهر، يضع عدسة صغيرة على عينه، ويقضي نهاره بين عقارب متوقفة وأخرى عادت إلى الحياة.
في أحد الأيام، دخلت فتاة تحمل ساعة يد قديمة.
قالت: “لا أظنها تعمل، لكنها كانت لأمي.”
أخذها العم سالم بين يديه كما لو أنها شيء هشّ وثمين. قلبها قليلًا، ثم ابتسم.
“العطل بسيط.”
جلست الفتاة تنتظر. كان المحل صامتًا إلا من صوت الساعات المعلقة على الجدران. عشرات الساعات، وكل واحدة تدقّ بطريقة مختلفة، لكن الأصوات كانت تتآلف كأنها فرقة موسيقية قديمة.
سألته: “لماذا تحتفظ بكل هذه الساعات؟”
رفع رأسه وقال: “لأن الناس يظنون أن الوقت يمضي، بينما أراه يبقى.”
لم تفهم ما يقصده.
أعاد إليها الساعة بعد دقائق. دارت العقارب من جديد.
دفعت الأجرة، ثم همّت بالمغادرة، لكنها سألته: “وهل بقي لك وقتك أنت أيضًا؟”
ساد الصمت.
نظر العم سالم إلى نافذة المحل حيث كانت الشمس تميل نحو الغروب.
قال بهدوء: “بقي منه ما يكفي لأتذكر.”
لم تضف شيئًا، وغادرت.
في المساء، أغلق العم سالم الباب الخشبي للمحل، وهو أمر نادر الحدوث. ثم جلس وحده يتأمل ساعة جيب قديمة محفوظة في درج صغير.
فتح الغطاء المعدني.
في الداخل صورة امرأة شابة تبتسم.
مرر أصابعه على الصورة بحنان، كما لو أنه يخشى أن تتلاشى.
كانت زوجته التي رحلت منذ أعوام طويلة.
نظر إلى العقارب التي توقفت عند ساعة محددة منذ يوم وفاتها. لم يحاول إصلاحها قط.
بعض الساعات، كان يعرف، لا ينبغي أن تعود إلى العمل.
أعادها إلى الدرج وأطفأ الضوء.
وفي الظلام، استمرت الساعات المعلقة على الجدران في الدقّ بينما بقيت ساعة واحدة فقط صامتة، تحرس ذكرى لا يريد لها أن تتحرك دقيقة واحدة إلى الأمام.



