محمد الحوباني.. رجلٌ يزرع العطر في الأرض ويحفظ هوية جازان من الذبول

كتب حمد دقدقي
ليست الأوطان خرائط تُرسم على الورق، ولا حدودًا ترسمها الجغرافيا، بل هي ذاكرةٌ تعيش في الإنسان، وتزهر في تفاصيل حياته، وتفوح من كل ما أحبَّه وأورثه للأجيال.
ومن بين تلك التفاصيل التي صاغت وجدان الإنسان الجازاني، ينهض الفُل شامخًا، لا بوصفه نباتًا عطريًا فحسب، بل رايةً بيضاء ترفرف فوق ذاكرة المكان، وعنوانًا للحياة، ورسالة محبةٍ لا تحتاج إلى لغة سوى عبيرها.

وفي جازان حيث تمتد مزارع الفُل كأنها صفحاتٌ بيضاء كتبتها الأرض بحروف الضوء،
يقف الأستاذ محمد الحوباني، لا مزارعًا فحسب ، بل حارسًا لذاكرة العطر، وأمينًا على إرثٍ ثقافيٍ وحضاريٍ يتجاوز حدود الزراعة ليغدو جزءًا أصيلًا من هوية جازان، ومن صورتها التي يعرفها القريب قبل البعيد.
وأثناء الحديث عن الفل ، لم يكن الحوباني يقدّم شرحًا عن أساليب الري أو مواسم الزراعة، بل كان يروي سيرة وطنٍ اختار أن يحفظها بين أغصان الفُل، مستعرضًا رحلة هذه الشجرة التي جاءت من الهند، ثم وجدت في جازان وطنها الحقيقي، حتى غدت رمزًا لا يُذكر اسم المنطقة إلا ويُذكر معها، ولا تُقام أفراحها إلا ويتقدم الفُل مشهد البهجة فيها.
و عن العلاقة التاريخية التي جمعت الفُل بالحناء، ذلك التآلف الزراعي الذي فرضته حكمة المزارع الجازاني، حين جمع بين النباتين في تربة واحدة، مراعاةً لندرة المياه، في مشهدٍ يجسد عبقرية الإنسان في التعايش مع الطبيعة، وصناعة الجمال من أبسط الإمكانات.

غير أن أكثر ما يلفت في شخصية الحوباني، أنه لم يتعامل مع الفُل بوصفه محصولًا اقتصاديًا، بل باعتباره رفيق عمرٍ وقطعةً من القلب. فبرغم عمله الطويل في ميدان التعليم، ظل وفيًا لمزرعته، يراقب تقلبات الطقس كما يراقب الأب صحة أبنائه، ويتابع ساعات الليل انتظارًا للحظة التي يطلق فيها الفُل أعذب أسراره، مؤمنًا بأن هذا العطر لا يكتمل حضوره إلا حين يسدل الليل ستاره، وكأن السماء تمنحه موعدًا يوميًا ليكتب قصيدته في الهواء.
ويؤكد الحوباني أن المستقبل يحمل للفُل آفاقًا اقتصادية واعدة، وأن الأجيال القادمة ستجني ثمار هذا الإرث إذا ما أُحسن استثماره، مشيرًا إلى أن المنطقة تحتضن مئات المزارع وآلاف الأشجار التي يمكن أن تتحول إلى صناعة وطنية متكاملة، تبدأ من الزراعة ولا تنتهي عند التقطير والتسويق، بل تمتد إلى الصناعات العطرية، والمتاجر الإلكترونية، وتمكين الأسر المنتجة، وصناعة فرص العمل.
ومن هذا الإيمان، جاءت رؤيته لإنشاء مصنع متخصص لتقطير الفُل،لتصبح المحافظة عاصمةً للفُل، ومنارةً للنباتات العطرية، وسوقًا حضاريًا يقضي على العشوائية، ويمنح المنتج المحلي المكانة التي يستحقها، مستندًا إلى إرثٍ زراعي يضم أكثر من مائتين وسبعة وعشرين ألف شجرة فل، وإنتاجًا سنويًا يناهز مئتين وثمانين طنًا، وسط طلبٍ متزايد جعل الفُل واحدًا من أثمن المنتجات الزراعية في المنطقة.
لكن الحوباني لا يرى النجاح في الأرقام وحدها، بل في قدرة الفُل على البقاء حيًا في ذاكرة الناس. ولذلك يؤكد أن أبناء جازان يورثون أبناءهم حب الفُل قبل زراعته، ويعلمونهم كيف يُعتنى به، لأنه ليس زهرةً للزينة، وإنما جزءٌ من الشخصية الثقافية والاجتماعية للمنطقة، يرافق الأفراح، ويزين المجالس، ويختصر الحكايات في رائحة.
وقد تجلت هذه الرؤية بأبهى صورها عندما شارك في اللقاء الثقافي الذي نظمته الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ببيت الثقافة بجازان تحت عنوان «رحلة الفنون الأدائية بين الجبل وتهامة والبحر»، حيث لم يتحدث عن النباتات بلغة المختصين، وإنما تحدث عنها بلسان الهوية. ربط بين الفنون الشعبية وأكاليل الفُل، وبين المهرجانات وعبير الأرض، وبين الأغنية الجازانية ورائحة الليل، حتى خيّل للحاضرين أن الفُل نفسه اعتلى المنصة ليروي سيرته، وأن العطر قد وجد أخيرًا من يمنحه صوتًا.
إن رجالًا من طراز محمد الحوباني لا يزرعون الأشجار فحسب، بل يزرعون الانتماء، ولا يحرسون المزارع وحدها، بل يحرسون ذاكرة المكان من النسيان. فهم يدركون أن الحضارات لا تُقاس بما تشيده من عمران فقط، وإنما بما تحفظه من رموزها، وتصونه من ملامحها، وتغرسه في وجدان أبنائها.
وسيظل الفُل في جازان أكثر من زهرة؛ سيظل قصيدةً تكتبها الأرض كل مساء، ورسالةً يحملها النسيم إلى العالم، وشاهدًا على أن لهذه المنطقة روحًا إذا ابتسمت، فاح عطرها، وإذا تحدّثت، كان محمد الحوباني أحد أفصح المترجمين عن عبيرها الخالد



